وأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار، كقوله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [غافر: ٧ - ٩]. وقوله تعالى ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: بسبب رحمته بكم وثنائه عليكم ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، وبصرهم الطريق الذي ضلَّ عنه وحاد عنه من سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأتباعهم من الطغاة، وأما رحمته بهم في الآخرة فآمنهم من الفزع الأكبر وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: مرَّ رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه ﵃، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني، ابني، وسعت فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار، قال فخفضهم رسول الله ﷺ وقال:"لا، والله لا يلقي حبيبه في النار"(١). إسناده على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولكن في صحيح الإمام البخاري، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيًا لها فألصقته إلى صدرها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ:"أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟ " قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ:"فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها"(٢).
وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ الظاهر أن المراد - والله أعلم - تحيتهم؛ أي: من الله تعالى يوم يلقونه سلام؛ أي: يوم يسلم عليهم كما قال ﷿: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس].
وزعم قتادة أن المراد أنهم يحيي بعضهم بعضًا بالسلام يوم يلقون الله في الدار الآخرة (٣)، واختاره ابن جرير.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ يعني: الجنة وما فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح والملاذ والمناظر، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٠٤)، وسنده صحيح وأخرجه الحاكم من طريق المعتمر عن حميد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٧٧) وذكر الهيثمي أن رجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٨٣) وصححه الحافظ ابن كثير. (٢) صحيح البخاري، الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته (ح ٥٩٩٩). (٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظ: "تحية أهل الجنة: السلام".