للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ابن عباس قال: قال رسول الله : "اذكروا الله ذكرًا كثيرًا [حتى] (١) يقول المنافقون إنكم تُراؤون" (٢).

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شدَّاد أبو طلحة الراسبي، سمعت أبا الوازع جابر بن عمرو يحدث عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله : "ما من قوم جلسوا مجلسًا لم يذكروا الله تعالى فيه إلا رأوه حسرة يوم القيامة" (٣).

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على تركه، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] بالليل والنهار في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وقال ﷿: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته (٤).

والأحاديث والآيات والآثار في الحثِّ على ذكر الله تعالى كثيرة جدًا، وفي هذه الآية الكريمة الحث على الإكثار من ذلك. وقد صنف الناس في الأذكار المتعلقة بآناء الليل والنهار كالنسائي والمعمري وغيرهما. ومن أحسن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب (الأذكار) للشيخ محيي الدين النووي .

وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ أي: عند الصباح والمساء، كقوله ﷿: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)[الروم]،

وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ هذا تهييج إلى الذكر؛ أي: أنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم، كقوله ﷿: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)[البقرة]، وقال النبي : "يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" (٥)، والصلاة من الله تعالى ثناؤه على العبد عند الملائكة، حكاه البخاري عن أبي العالية (٦)، ورواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عنه (٧)، وقال غيره: الصلاة من الله ﷿ الرحمة. وقد يقال: لا منافاة بين القولين، والله أعلم.


(١) كذا في (ح) و (حم)، وفي الأصل: "بياض".
(٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/ ١٦٩ ح ١٢٧٨٦)، وسنده ضعيف لضعف الحسن بن أبي جعفر الجفري (التقريب ص ١٥٨ وينظر مجمع الزوائد ١٠/ ٧٦).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٦٦٣ ح ٧٠٩٣)، وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد حسن.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٥٢.
(٦) أخرجه البخاري تعليقًا (الصحيح، تفسير سورة الأحزاب، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ. . .﴾ [الأحزاب: ٥٦] قبل حديث رقم ٤٧٩٧).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق آدم بن أبي إياس عن أبي جعفر الرازي به (ينظر فتح الباري ٨/ ٥٣٣).