ورواه الإمام أحمد أيضًا عن يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن عبد الله بن سريج الخولاني، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو ﵄، فذكر مثله سواء (١).
والأحاديث في هذا كثيرة، فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به وإكمال الدين الحنيف له، وقد أخبر الله ﵎ في كتابه ورسوله ﷺ في السُّنَّة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب وأفَّاك دجال ضال مضلّ، لو تخرق (٢) وشعبذ وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرنجيات (٣) فكلها محال وضلال عند أولي الألباب كما أجرى الله ﷾ على يد الأسود العنسي باليمن ومسيلمة الكذاب باليمامة من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة ما علم كل ذي لب وفهم وحجى أنهما كاذبان ضالان لعنهما الله، وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة حتى يختموا بالمسيح الدجال، فكل واحد من هؤلاء الكذابين يخلق الله تعالى معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها، وهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه، فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر إلا على سبيل الاتفاق أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ الآية [الشعراء]، وهذا بخلاف حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنهم في غاية البر والصدق والرشد والاستقامة والعدل فيما يقولونه ويفعلونه ويأمرون به وينهون عنه، مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات والأدلة الواضحات والبراهين الباهرات، فصلوات الله وسلامه عليهم دائمًا مستمرًا ما دامت الأرض والسماوات.
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم ﵎ المنعم عليهم بأنواع النعم وصنوف المنن، لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب.
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن سعيد، حدثني مولى ابن عياش، عن أبي بَحرية، عن أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والوَرِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم" قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال ﷺ:"ذِكر الله ﷿"(٤). وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢١٢) وحكمه كسابقه وشاهده. (٢) أي: اختلق الكذب. (٣) جمع نيرج وهو أخذ كالسحر. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٣٦/ ٣٤ ح ٢١٧٠٢) وصحح سنده محققوه.