للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

تحت رسول الله فناسب أن يخبرهنَّ بحكمهنَّ وتخصيصهنَّ دون سائر النساء بأن من يأت منهنَّ بفاحشة مبينة.

قال ابن عباس : وهي النشوز وسوء الخلق (١). وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وكقوله ﷿: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)[الزخرف]، ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)[الزمر]، فلما كانت محلتهنَّ رفيعة ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهنَّ مغلظًا صيانة لجنابهنَّ وحجابهنَّ الرفيع، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾.

قال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال: في الدنيا والآخرة (٢).

وعن ابن أبي نجيح مثله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: سهلًا هينًا.

ثم ذكر عدله وفضله في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: يطيع الله ورسوله ويستجيب ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ أي: في الجنة فإنهنَّ في منازل رسول الله في أعلى العليين، فوق منازل جميع الخلائق في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش.

﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾.

هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي ونساء الأمة تبع لهنَّ في ذلك، فقال تعالى مخاطبًا لنساء النبي : بأنهن إذا اتقين الله ﷿ كما أمرهن، فإنه لا يشبههن أحد من النساء ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة، ثم قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ قال السدي وغيره: يعني بذلك ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال، ولهذا قال تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: دغل ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.

قال ابن زيد: قولًا حسنًا جميلًا معروفًا في الخير (٣)، ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها.

وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي: الزمن فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه كما قال رسول الله : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن وهن تفلات (٤) " (٥) وفي رواية: "وبيوتهن خير لهن" (٦).


(١) لم أجد من أخرجه.
(٢) سنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.
(٤) أي: تاركات للطيب.
(٥) أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة (السنن، الصلاة، باب في خروج النساء إلى المسجد ح ٥٦٥)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٥٢٩).
(٦) أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر . (المصدر السابق ح ٥٦٧)، وصححه الألباني (المصدر السابق ح ٥٣٠).