وعن واثلة بن الأسقع عن رسول الله ﷺ قال:"جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسلَّ سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع"(١) ورواه ابن ماجه أيضًا وفي إسنادهما ضعف.
أما أنه لا يتخذ طريقًا فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه، وفي الأثر: إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد لا يصلي فيه. وأما أنه لا يشهر فيه السلاح ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل، فلما يخشى من إصابة بعض الناس به لكثرة المصلين فيه، ولهذا أمر رسول الله ﷺ إذا مرّ أحد بسهام أن يقبض على نصالها لئلا يؤذي أحدًا، كما ثبت ذلك في الصحيح (٢)، وأما النهي عن المرور باللحم النيء فيه فلما يخشى من تقاطر الدم منه، كما نهيت الحائض عن المرور فيه إذا خافت التلويث، وأما أنه لا يضرب فيه حدّ أو يقتص فلما يخشى من إيجاد النجاسة فيه من المضروب أو المقطوع، وأما أنه لا يتخذ سوقًا، فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه، فإنه إنما بني لذكر الله والصلاة فيه، كما قال النبي ﷺ لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد:"إن المساجد لم تبنَ لهذا، إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها" ثم أمر بسجل من ماء فأهريق على بوله (٣).
وفي الحديث الثاني:"جنّبوا مساجدكم صبيانكم" وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا رأى صبيانًا يلعبون في المسجد ضربهم بالمخفقة وهي الدُرَّة، وكان يعسُّ (٤) المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحدًا.
"ومجانينكم" يعني: لأجل ضعف عقولهم وسخر الناس بهم، فيؤدي إلى اللعب فيها، ولما يخشى من تقذيرهم المسجد، ونحو ذلك.
"وبيعكم وشراءكم" كما تقدم "وخصوماتكم" يعني: التحاكم والحكم فيه، ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد؛ بل يكون في موضع غيره لما فيه من كثرة الحكومات والتشاجر العياط (٥) التي لا يُناسبه، ولهذا قال بعده:"ورفع أصواتكم".
وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا [الجعيد بن عبد الرحمن قال: حدثني يزيد بن حصيفة](٦)، عن السائب بن يزيد الكندي قال: كنت قائمًا في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بهذين فجئته بهما فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ؟ (٧).
وقال النسائي: حدثنا سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن شعبة، عن سعد بن
(١) سنن ابن ماجه، المساجد، باب ما يكره في المساجد (ح ٧٤٨)، قال البوصيري: فيه زيد بن جبيرة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف (مصباح الزجاجة ١/ ٢٦٤). (٢) صحيح مسلم، البر والصلة (ح ٢٦١٥). (٣) ينظر: صحيح البخاري، الوضوء، باب صبّ الماء على البول في المسجد (ح ٢٢٠). (٤) أي: يطوف بالليل ساهرًا. (٥) أي: الصراخ والصياح. (٦) كذا في (ح) و (حم) وصحيح البخاري، وفي الأصل صُحفت إلى: "عبد الرحمن بن يزيد بن خصيف". (٧) صحيح البخاري، الصلاة، باب رفع الصوت في المسجد (ح ٤٧٠).