وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا وكيع، عن ابن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر: أنه كاتب عبدًا له يكنى أبا أُمية، فجاء بنجمه حين حلّ فقال: يا أبا أُمية اذهب فاستعن به في مكاتبتك، فقال: يا أمير المؤمنين، لو تركته حتى يكون من آخر نجم؟ قال: أخاف أن لا أدرك ذلك، ثم قرأ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال عكرمة: فكان أول نجم (١) أُدّي في الإسلام (٢).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئًا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته، ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحبّ (٣).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال: يعني ضعوا عنهم في مكاتبتهم (٤). وكذلك قال مجاهد وعطاء والقاسم بن أبي بزة وعبد الكريم بن مالك الجزري والسدي (٥).
وقال محمد بن سيرين في قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ كان يعجبهم أن يدع الرجل لمكاتبه طائفة من مكاتبته (٦)، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا الفضل بن شاذان المقري، أخبرنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، أخبرني عطاء بن السائب: أن عبد الله بن جندُب أخبره عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال:"ربع الكتابة"(٧). وهذا حديث غريب ورفعه منكر، والأشبه أنه موقوف على علي ﵁، كما رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي ﵀(٨).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ الآية، كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة، فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف في شأن عبد الله بن أُبيّ بن سلول، فإنه كان له إماء، فكان يُكرههنّ على البغاء طلبًا لخراجهنَّ، ورغبة في أولادهنَّ، ورياسة منه فيما يزعم.
ذكر الآثار الواردة في ذلك:
قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ﵀ في مسنده: حدثنا أحمد بن داود الواسطي، حدثنا أبو عمرو اللخمي - يعني: محمد بن الحجاج -، حدثنا محمد بن إسحاق،
(١) هو القدر المعين الذي يؤديه المكاتب في وقت معين (النهاية ٥/ ٢٢). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٥) أخرج بعضها الطبري وابن أبي حاتم، وتتقوى بسابقها. (٦) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن سيرين (المصنف ٦/ ٣٧١). (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف فيه جندب: مستور، وعطاء بن السائب: صدوق اختلط، والصواب وقفه كما تقدم. (٨) تقدم تخريجه وثبوته عن علي ﵁ موقوفًا في تفسير الآية نفسها.