للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

يقتحم ويقول: قد دخلت، ونحو ذلك، فيشق ذلك على الرجل ولعله يكون مع أهله، فغير الله ذلك كله في ستر وعفة، وجعله نقيًا نزهًا من الدنس والقذر والدرن، فقال تعالى: " ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا. . .﴾ الآية (١).

وهذا الذي قاله مقاتل حسن، ولهذا قال تعالى ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يعني: الاستئذان خير لكم بمعنى هو خير من الطرفين للمستأذن ولأهل البيت ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه، فإن شاء أذن، وإن شاء لم يأذن، ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ أي: إذا ردوكم من الباب قبل الإذن أو بعده ﴿فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ أي: رجوعكم أزكى لكم وأطهر ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.

وقال قتادة: قال بعض المهاجرين؛ لقد طلبت عمري كله هذه الآية، فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢).

وقال سعيد بن جبير: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ أي: لا تقفوا على أبواب الناس (٣).

وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾ هذه الآية الكريمة أخص من التي قبلها، وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد إذا كان له متاع فيها بغير إذن، كالبيت المعد للضيف إذا أذن له فيه أول مرة كفى.

قال ابن جريج، قات ابن عباس: "لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم" ثم نسخ واستثنى، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (٤). وكذا روي عن عكرمة والحسن البصري (٥).

وقال آخرون: هي بيوت التجار كالخانات ومنازل الأسفار (٦)، وبيوت مكة وغير ذلك، واختار ذلك ابن جرير وحكاه عن جماعة، والأول أظهر، والله أعلم.

وقال مالك، عن زيد بن أسلم: هي بيوت الشعر.


(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان لكنه معضل؛ لأن مقاتل بن حيان تابع تابعي.
(٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.
(٤) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به وسنده ضعيف؛ لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس، وأخرجه ابن الجوزي موصولًا بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس (نواسخ القرآن ص ٤٠٧).
(٥) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، ولكنه توبع كما في رواية ابن الجوزي السابقة، وقول الحسن ذكره النحاس بغير سند (الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥٤٥).
(٦) أخرجه النحاس بسند جيد عن محمد بن علي بن الحنفية (المصدر السابق ٢/ ٥٤٨).