للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

القول والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول، قال: ونزلت في عائشة وأهل الإفك (١)، وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت، والضحاك (٢)، واختاره ابن جرير ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس، والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس، فما نسبه أهل النفاق إلي عائشة هم أولى به، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء (٣).

وهذا أيضًا يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم؛ أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله إلا وهي طيبة؛ لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له لا شرعًا ولا قدرًا، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: بسبب ما قيل فيهم من الكذب، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: عند الله في جنات النعيم، وفيه وعد بأن تكون زوجة رسول الله في الجنة.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار قال: جاء أسير بن جابر إلى عبد الله، فقال: لقد سمعت الوليد بن عقبة تكلم اليوم بكلام أعجبني، فقال عبد الله: إن الرجل المؤمن يكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل (٤) في صدره ما يستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل عنده يُتلّها فيضمها إليه، وأن الرجل الفاجر يكون في قلبه الكلمة الخبيثة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها فيسمعها الرجل الذي عنده يتلها فيضهما إليه. ثم قرأ عبد الله: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (٥)، ويشبه هذا ما رواه الإمام أحمد في المسند مرفوعًا: "مثل هذا الذي يسمع الحكمة ثم لا يحدث إلا بشرّ ما سمع كمثل رجل جاء إلى صاحب غنم فقال: اجزرني شاة، فقال: اذهب فخذ بأذن أيها شئت، فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم" (٦).

وفي الحديث الآخر: "الحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها أخذها" (٧).


(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بالآثار التي تليه.
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج الطبري آثارهم بأسانيد ثابتة إلا قول الحسن البصري لم يخرجه وقد عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب - وهو عبد الله - عن عبد الرحمن.
(٤) أي: تتردد وتتحرك، والجلجلة: حركة مع صوت (النهاية ١/ ٢٨٤).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٦) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة (المسند ١٤/ ٢٨٤ ح ٨٦٣٩)، وضعفه محققوه؛ لأن فيه علي بن زيد، وهو ابن جدعان: ضعيف، ولجهالة أوس بن خالد.
(٧) أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث غريب (السنن، أبواب العلم، باب في فضل الفقه على العبادة ح ٢٦٨٧)، وابن ماجه (السنن، الزهد، باب الحكمة ح ٤١٦٩)، وضعفه السخاوي (المقاصد الحسنة ص ١٩١، ١٩٢)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه.