للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ثم قال تعالى متوعدًا هؤلاء المنافقين على صنيعهم هذا: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ الآية، قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤوا، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله ﷿ استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدًا (١). وكذا قال أبو رزين والحسن وقتادة والربيع بن خثيم وعون العقيلي وزيد بن أسلم (٢).

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش، حدثنا محمد بن جبير، عن ابن المبارك، عن عمران بن زيد، حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله يقول: "يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون، فلو أن سفنًا أزجيت فيها لجرت" (٣) ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش عن يزيد الرقاشي به (٤).

وقال الحافظ أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عباس، حدثنا حماد الجزري، عن زيد بن رفيع رفعه، قال: إن أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زمانًا ثم بكوا القيح زمانًا، قال: فتقول لهم الخزنة: يا معشر الأشقياء تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها في الدنيا هل تجدون اليوم من تستغيثون به؟ قال: فيرفعون أصواتهم: يا أهل الجنة يا معشر الآباء والأمهات والأولاد خرجنا من القبور عطاشًا، وكنا طول الموقف عطاشًا ونحن اليوم عطاش، فأفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم، ثم يجيبهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فييأسون من كل خير" (٥).

﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾.

يقول تعالى آمرًا لرسوله : ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ أي: ردَّك الله من غزوتك هذه ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ قال قتادة: ذُكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلًا (٦) ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ أي: معك إلى غزوة أخرى ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ أي: تعزيرًا لهم وعقوبة، ثم


(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) قول أبي رزين أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٣/ ٤١٨)، وسعيد بن منصور (السنن، التفسير رقم ١٠٢٨)، والطبري وابن أبي حاتم كلهم بأسانيد صحيحة من عدة طرق عن أبي رزين، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الربيع بن خيثم أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٣/ ٣٩٦)، والطبري بسند صحيح عن الأعمش عن أبي رزين عن الربيع بن خيثم، وقول عون العقيلي ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند مع التابعين المذكورين، وقول زيد بن أسلم أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وليس فيه عن زيد بن أسلم.
(٣) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٧/ ١٦١ ح ٤١٣٤)، وسنده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي.
(٤) سنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة النار (ح ٤٣٢٤) وسنده ضعيف كسابقه.
(٥) سنده مرسل لأن زيد بن رفيع تابعي.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وزيادة: من المنافقين، ورجاله ثقات لكنه مرسل.