وقال ابن عباس: أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف؛ والمنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم (١).
وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف؛ واغلظ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم (٢).
وعن مقاتل والربيع مثله (٣)، وقال الحسن وقتادة: مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم (٤).
وقد يقال: إنه لا منافاة بين هذه الأقوال؛ لأنه تارة يؤاخذهم بهذا، وتارة بهذا بحسب الأحوال، والله أعلم.
وقوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ قال قتادة: نزلت في عبد الله بن أُبي، وذلك أنه اقتتل رجلان جهني وأنصاري، فعلا الجهني على الأنصاري، فقال عبد الله للأنصار: ألا تنصروا أخاكم؟ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي ﷺ، فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف باللهِ ما قاله، فأنزل الله فيه هذه الآية (٥).
وروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة قال: فحدثني عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: حزنت على من أُصيب بالحَرة من قومي، فكتب إلي زيد بن أرقم وبلغه شدة حزني يذكر أنه سمع رسول الله يقول:"اللَّهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار" وشكَّ ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار قال ابن الفضل: فسأل أنس بعض من كان عنده عن زيد بن أرقم فقال: هو الذي يقول له رسول الله ﷺ: "أوفى الله له بِأُذُنِه"(٦) قال: وذلك حين سمع رجلًا من المنافقين يقول ورسول الله ﷺ يخطب: لئن كان صادقًا فنحن شرُّ من الحمير، فقال زيد بن أرقم: فهو والله صادق ولأنت شرُّ من الحمار. ثم رفع ذلك إلى رسول الله ﷺ، فجحده القائل، فأنزل الله هذه الآية تصديقًا لزيد، يعني قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية، رواه البخاري في صحيحه عن إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة -إلى قوله:- هذا الذي أوفى الله له بِأُذُنِه، ولعلَّ ما بعده من قول موسى بن عقبة، وقد رواه محمد بن فليح عن موسى بن عقبة بإسناده، ثم قال: قال ابن شهاب … فذكر ما بعده عن موسى، عن ابن شهاب (٧).
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك ويتقوى بسابقه. (٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. (٤) قول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل ويشهد لبعضه الرواية التالية في صحيح البخاري. (٦) صحيح البخاري، التفسير، سورة المنافقون، باب ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] (ح ٤٩٠٦). (٧) قال الحافظ ابن حجر: وهذا مرسل جيد وكان البخاري حذفه لكونه على غير شرطه، ولا مانع من نزول الآيتين في القصتين في تصديق زيد (فتح الباري ٨/ ٦٥١).