للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقال أشعث عن الحسن: من صافحهم فليتوضأ (١). رواه ابن جرير.

وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال محمد بن إسحاق: وذلك أن الناس قالوا لتقطعنَّ عنا الأسواق ولتهلكنَّ التجارة وليذهبنَّ عنَّا ما كنا نصيب فيها من المرافق، فأنزل الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من وجه غير ذلك ﴿إِنْ شَاءَ﴾ إلى [قوله] (٢): ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي: هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق، فعوضهم الله مما قطع أمر الشرك ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب من الجزية (٣).

وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم (٤) ﴿إِنْ شَاءَ عَلِيمٌ﴾ أي: بما يصلحكم ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: فيما يأمر به وينهى عنه، لأنه الكامل في أفعاله وأقواله العادل في خلقه وأمره ، ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذونها من أهل الذمَّة.

وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ فهم في نفس الأمر لما كفروا بمحمد لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل ولا بما جاؤوا به، وإنما يتَّبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه لا لأنه شرع الله ودينه، لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانًا صحيحًا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد ؛ لأن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه، فلما جاء وكفروا به وهو أشرف الرسل علم أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من عند الله. بل لحظوظهم وأهوائهم فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء، وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم، ولهذا قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.

وهذه الآية الكريمة أول الأمر بقتال أهل الكتاب بعدما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجًا واستقامت جزيرة العرب أمر الله ورسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع ولهذا تجهز رسول الله لقتال الروم، ودعا الناس إلى ذلك وأظهره لهم وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم فأوعبوا معه، واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفًا، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم،


(١) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٨/ ٤٣٣) والطبري كلاهما من طريق أشعث عن الحسن. وسنده ضعيف لضعف أشعث وهو ابن سوار.
(٢) كذا في (حم) و (عم) و (مح) وفي الأصل صحفت إلى: "غيره".
(٣) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وأورده ابن هشام في السيرة ٢/ ٥٤٧، وتشهد له ما صح من الآثار التالية.
(٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسندين ضعيفين من طريق واقد مولى زيد بن خليدة ويتقوى بسابقه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة، وقول الضحاك أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.