وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بتُّ في المسجد، فقال علي ﵁: ما أدري ما تقولان لقد صلَّيت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله ﷿: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ … ﴾ الآية كلَّها (١).
وهكذا قال السدي إلا أنه قال: افتخر علي والعباس وشيبة بن عثمان وذكر نحوه (٢).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عمرو، عن الحسن قال: نزلت في علي وعباس وعثمان وشيبة تكلموا في ذلك، فقال العباس: ما أراني إلا أني تارك سقايتنا، فقال رسول الله ﷺ:"أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرًا"(٣). ورواه محمد بن ثور: عن معمر عن الحسن فذكر نحوه (٤).
وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث مرفوع فلابد من ذكره هنا، قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن النعمان بن بشير ﵁ أن رجلًا قال: ما أبالي أن لا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صلينا الجمعة دخلنا على النبي ﷺ فسألناه، فنزلت ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٥).
(طريق أخرى): قال الوليد بن مسلم: حدثني معاوية بن سلَّام، عن جده أبي سلَّام الأسود، عن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملًا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام. وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر بن الخطاب ﵁. وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ، وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله ﷺ فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. قال: ففعل فأنزل الله ﷿: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ورواه مسلم في صحيحه (٦) وأبو داود وابن جرير وهذا لفظه، وابن مردويه وابن أبي حاتم في تفاسيرهم وابن حبان في صحيحه (٧).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ولكن فيه ابن وهب قال: أُخبرت عن أبي صخر. وفي الحالتين أن السند مرسل، ويتقوى بالمراسيل التالية. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه سابقه، لكنه مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه. (٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل يتقوى بما سبق ولحق. (٤) أخرجه الطبري من طريق محمد بن عبد الأعلى عن محمد بن ثور به. وسنده كسابقه في ثقاته ومقوياته. (٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وفي سنده يحيى بن أبي كثير لم يسمع من النعمان ولكنه توبع كما سيأتي في الرواية الموصولة الصحيحة. (٦) أخرجه مسلم من طريق معاوية بن سلَّام به (الصحيح، الأمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى ح ١٨٧٩). (٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق معاوية بن سلام به، وأخرجه الواحدي من طريق أبي داود عن أبي =