للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقال الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة أنه قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد (١).

وروي عن علي بن أبي طالب : مثله (٢)، والصحيح أن الآية عامة وإن كان سبب نزولها مشركي قريش فهي عامة لهم ولغيرهم والله أعلم.

وقال الوليد بن مسلم: حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أنه كان في عهد أبي بكر إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال: إنكم ستجدون قومًا محوّقة (٣) رؤوسهم، فاضربوا معاقد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لأن أقتل رجلًا منهم أحبُّ إليّ من أن أقتل سبعين من غيرهم وذلك بأن الله يقول: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْر﴾ رواه ابن أبي حاتم (٤).

﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾.

وهذا أيضًا تهييج وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين بأيمانهم الذين هموا بإخراج الرسول من مكة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)[الأنفال] وقال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ الآية [الممتحنة: ١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ الآية [الإسراء: ٧٦] (٥).

وقوله: ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قيل: المراد بذلك يوم بدر حين خرجوا لنصر عيرهم، فلما نجت وعلموا بذلك استمروا على وجههم، طلبًا للقتال بغيًا وتكبرًا كما تقدم بسط ذلك.

وقيل: المراد نقضهم العهد وقتالهم مع حلفائهم بني بكر لخزاعة أحلاف رسول الله (٦) حتى سار إليهم رسول الله عام الفتح وكان ما كان ولله الحمد والمنة.

وقوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول تعالى: لا تخشوهم واخشون فأنا أهل أن يخشى العباد من سطوتي وعقوبتي، فبيدي الأمر وما شئت كان وما لم أشأ لم يكن،

ثم قال: عزيمة على المؤمنين وبيانًا لحكمته فيما شرع لهم من الجهاد مع قدرته على إهلاك


(١) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الأعمش به، وأخرجه البخاري من طريق إسماعيل عن زيد بن وهب عن حذيفة بمعناه (الصحيح، التفسير، باب ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ .. ﴾ [التوبة: ١٢] ح ٤٦٥٨).
(٢) لم أجده مسندًا، ونسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن مردويه فقط، ويتقوى برواية حذيفة .
(٣) محوّقة: الحوق الكنس، أراد أنهم حلقوا وسط رؤوسهم، فشبه إزالة الشعر منه بالكنس، ويجوز أن يكون من الحوق: وهو الإطار المحيط بالشيء المستدير حوله (النهاية ١/ ٤٦٢).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم عن محمد بن عبد الله الإسكندراني عن الوليد بن مسلم به. وسنده حسن.
(٥) قراءة متواترة.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.