للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

أسداها إليهم، من جنَّات وعيون وزروع وكنوز ومقام كريم، ونَعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم الله في ذلك بل كانوا هم الظالمين.

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾.

أخبر تعالى: أن شرَّ ما دبَّ على وجه الأرض هم الذين كفروا فهم لا يؤمنون،

الذين كلَّما عاهدوا عهدًا نقضوه، كلَّما أكدوه بالأيمان نكثوه، ﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ أي: لا يخافون من الله في شيء ارتكبوه من الآثام،

﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ أي: تغلبهم وتظفر بهم في حرب، ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: نكِّل بهم، قاله ابن عباس والحسن البصري والضحاك والسدي وعطاء الخراساني وابن عيينة (١)، ومعناه: غلِّظ عقوبتهم وأثخنهم قتلًا، ليخاف من سواهم من الأعداء من العرب وغيرهم، ويصيروا لهم عبرة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ وقال السدي: يقول: لعلهم يحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك (٢).

﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾.

يقول تعالى لنبيه : ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ﴾ قد عاهدتهم ﴿خِيَانَةً﴾ أي: نقضًا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: عهدهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم، حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي تستوي أنت وهم في ذلك، قال الراجز:

فاضرب وجوه الغدر الأعداء … حتى يجيبوك إلى السواء (٣)

وعن الوليد بن مسلم أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: على مهل (٤)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ أي: حتى ولو في حق الكفار لا يحبها أيضًا.

قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي الفيض، عن سليم بن عامر، قال: كان معاوية يسير في أرض الروم، وكان بينه وبينهم أمد، فأراد أن يدنو منهم، فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابَّة يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدرًا، إن رسول الله قال: "ومن كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلنَّ عقدة ولا يشدها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء" قال: فبلغ ذلك معاوية، فرجع، فإذا بالشيخ عمرو بن عنبسة (٥). وهذا الحديث


(١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس أسنده بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، ويتقوى بأقوال التابعين التي تليه كما يتقوى برواية الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عن السدي.
(٣) ذكره الطبري ثم بين معنى السواء: العدل.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح عن علي بن سهل عن الوليد بن مسلم.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٤/ ١١١، وأخرجه الترمذي من طريق شعبة به وقال: حسن صحيح (السنن، السير، باب ما جاء في الغدر ح ١٥٨٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٢٨٥).