فخرجوا سراعًا (١). قال محمد بن إسحاق: فذُكر لي أنهم كانوا يرونه في كلِّ منزل في صورة سراقة بن مالك لا ينكرونه، حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان، كان الذي رآه حين نكص، الحارث بن هشام أو عمير بن وهب، فقال: أين سراقة؟ أين؟ أي: سراقة. ومثل عدو الله فذهب، قال: فأوردهم ثم أسلمهم، قال: ونظر عدو الله إلى جنود الله قد أيَّد الله بهم رسوله والمؤمنين، فنكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، وصدق عدو الله، وقال: إني أخاف الله والله شديد العقاب (٢).
وهكذا روي عن السدي والضحاك والحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي (٣) وغيرهم ﵏.
وقال قتادة: وذُكر لنا أنه رأى جبريل ﵇ تنزل معه الملائكة، فعلم عدو الله أنه لا يدان له بالملائكة، فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله وكذب عدو الله. والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، وتلك عادة عدو الله لمن أطاع واستقاد له، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شرَّ مسلَّم، وتبرأ منهم عند ذلك (٤).
وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن بعض بني ساعدة، قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعد ما كفَّ بصره، يقول: لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى (٥).
فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس، وأوحى الله إليهم أني معكم فثبَّتوا الذين آمنوا، وتثبيتهم، أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل، يعرفه فيقول له: أبشر فإنهم ليسوا بشيء والله معكم فكرُّوا عليهم، فلما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحضِّض أصحابه، ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه. ثم قال: واللّات والعزى، لا نرجع حتى نقرن محمدًا وأصحابه في الحبال، فلا تقتلوهم وخذوهم أخذًا، وهذا من أبي جهل لعنه الله،
(١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده حسن لكنه مرسل. (٢) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وذكره ابن هشام في السيرة النبوية (١/ ٦١٣) ويتقوى بالآثار والمراسيل التالية والسابقة. (٣) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الحسن البصري أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل. (٥) ذكره ابن هشام في السيرة (١/ ٦٣٣).