للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

بالنبي ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه. قال له عمُّه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: "يريدون أن يسحروني أو يقتلوني أو يخرجوني". فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: "ربي" قال: نِعم الربُّ ربُّك استوص به خيرًا. قال: "أنا أستوصي به، بل هو يستوصي بي" (١).

وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني محمد بن إسماعيل المصري المعروف بالوساوسي، أخبرنا عبد المجيد بن أبي داود، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عُبيد بن عمير، عن المطَّلب بن أبي وداعة أن أبا طالب قال لرسول الله : ما يأتمر بك قومك؟ قال: "يريدون أن يسحروني أو يقتلوني أو يخرجوني". فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: "ربِّي". قال: نِعم الربُّ ربُّك فاستوص به خيرًا. قال: "أنا أستوصي به، بل هو يستوصي بي". قال: فنزلت: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية (٢). وذِكرُ أبي طالب في هذا غريب جدًا، بل منكر، لأن هذه الآية مدنية، ثم إن هذه القصة واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل إنما كان ليلة الهجرة سواء، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين لما تمكَّنوا منه واجترؤوا عليه بسبب موت عمِّه أبي طالب الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه، والدليل على صحة ما قلنا ما روى الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: وحدثني الكلبي، عن باذان مولى أم هانئ، عن ابن عباس أن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة (٣)، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا له: من أنت؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمعت أنكم اجتمعتم فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم (٤) رأيي ونصحي. قالوا: أجل، ادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشكنَّ أن يواثبكم في أمركم بأمره.

فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون (٥) حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير (٦) والنابغة (٧) إنما هو كأحدهم. قال: فصرخ عدو الله الشيخ النجدي


(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سُنيد واستغرب الحافظ ابن كثير ذكر أبي طالب.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده عبد المجيد بن أبي رواد صدوق يخطئ، لكنه توبع فأخرجه ابن أبي حاتم من طريق هشام بن يوسف عن ابن جريج، وسنده صحيح لكنه مرسل، وقد استغرب ابن كثير ذكر أبي طالب، وأجاب على ذلك الأستاذ أحمد شاكر بأن الآية مكية حسب ما رواه الطبري عن ابن جريج، ولكن الإسناد لم يصح إلى ابن جريج. قال الحافظ ابن حجر: اتفقوا على أن الأنفال مدنية، لكن قيل إن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] الآية نزلت بمكة ثم نزلت سورة الأنفال بالمدينة، وهذا غريب جدًا (فتح الباري ٨/ ٦٥٧) وقال البقاعي عن سورة الأنفال: مدنية إجماعًا نزلت في بدر (مصاعد النظر ٢/ ١٤٤) وبهذا فإن قول الحافظ ابن كثير هو الراجح.
(٣) دار الندوة: هي دار قصي بن كلاب، سميت بذلك لأنهم كانوا يندون فيها أي: يجتمعون للمشاورة وهي أول دار بُنيت بمكة (معجم البلدان ٢/ ٤٢٣).
(٤) أي لا يعدوكم ويخطئكم (لسان العرب باب ع د م).
(٥) أي الموت.
(٦) زهير هو ابن أبي سُلمى ربيعة بن رباح المزني من كبار الشعراء (طبقات فحول الشعراء ص ٥١).
(٧) النابغة: هو زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني، وكان أحسن شعراء العرب ديباجة (طبقات فحول الشعراء ص ٥١).