يأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له ولهذا قال: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أي: تتركوا طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أي: بعد ما علمتم ما دعاكم إليه
وقال ابن إسحاق: هم المنافقون فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا وليسوا كذلك (٢)، ثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شرُّ الخلق والخليقة فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ﴾ أي: عن سماع الحق ﴿الْبُكْمُ﴾ عن فهمه ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فهؤلاء شرُّ البريَّة لأن كل دابَّة مما سواهم مطيعة لله فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا، ولهذا شبَّههم بالأنعام في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١] الآية، وقال في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقيل: المراد بهؤلاء المذكورين نفر من بني عبد الدار من قريش روي عن ابن عباس ومجاهد (٣) واختاره ابن جرير. وقال محمد بن إسحاق: هم المنافقون (٤). قلت: ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا لأن كلًّا منهم مسلوب الفهم الصحيح والقصد إلى العمل الصالح،
ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح ولا قصد لهم صحيح لو فرض أن لهم فهمًا فقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي: لأفهمهم وتقدير الكلام ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم لأنه يعلم أنه ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي: أفهمهم ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ عن ذلك قصدًا وعنادًا بعد فهمهم ذلك ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه.
قال البخاري: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أجيبوا ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ لما يصلحكم. حدثني إسحاق، حدثنا رَوح، حدثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث، عن أبي سعيد بن المعلَّى ﵁ قال: كنت أصلي فمرَّ بي النبي ﷺ، فدعاني فلم آته حتى صليت ثم أتيته فقال:"ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، ثم قال: لأعلمنَّك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج"، فذهب رسول الله ﷺ
(١) ذكره الطبري بدون سند. (٢) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق بنحوه. (٣) قول ابن عباس أخرجه البخاري (الصحيح، التفسير، سورة الأنفال، باب ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ. . .﴾ ح ٤٦٤٦)، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق، ابن أبي نجيح عنه. (٤) تكرر قبل ثمانية سطور.