(أحدهما): قال ابن جرير: حدثني محمد بن عوف الطائي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثنا عبد الرحمن بن جبير أن رسول الله ﷺ يوم ابن أبي الحقيق بخيبر دعا بقوس فأُتيَ بقوس طويلة وقال:"جيئوني بقوس غيرها"، فجاؤوه بقوس كبداء فرمى النبي ﷺ الحصن، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو في فراشه فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١) وهذا غريب وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ولعله اشتبه عليه أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم، والله أعلم.
(والثاني): روى ابن جرير أيضًا والحاكم في مستدركه بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا: أنزلت في رمية النبي ﷺ يوم أحد أبي بن خلف بالحربة وهو في لأمته، فخدشه في ترقوته فجعل يتدأدأ عن فرسه مرارًا حتى كانت وفاته بعد أيام قاسى فيها العذاب الأليم موصولًا بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة (٢)، وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضًا جدًا، ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها لا أنها نزلت فيه خاصَّة كما تقدم والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في قوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ أي: ليعرف المؤمنين نعمته عليهم من إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم وقلَّة عددهم ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته (٣). وهكذا فسره ابن جرير أيضًا، وفي الحديث:"وكل بلاء حسن أبلانا"(٤).
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر أنه أعلمهم تعالى بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل مصغر أمرهم، وأنهم وكلُّ ما لهم في [تبار (٥)] ودمار، ولله الحمد والمنة.
يقول تعالى للكفار: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ أي: تستنصروا وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم كما قال محمد بن إسحاق وغيره عن الزهري،
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق صفوان به، وسنده مرسل. (٢) أخرجه الحاكم من طريق سعيد بن المسيب عن أبيه بنحوه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢٧). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق محمد بن إسحاق به. (٤) أخرجه النسائي (السنن الكبرى ح ١٠١٣٣)، وابن السني (عمل اليوم والليلة ح ٤٦)، والحاكم كلهم من حديث أبي هريرة مطولًا مرفوعًا وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٥٤٦)، وحسنه سليم الهلالي في عجالة الراغب المتمني في تخريج كتاب عمل اليوم والليلة ٢/ ٥٥٥ (ح ٤٨٦). (٥) في الأصل صحفت إلى: "سال".