للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

رجلًا منهم أخذ حوتًا فخزم أنف ثم ضرب له وتدًا في الساحل وربطه وتركه في الماء، فلما كان الغد أخذه فشواه فأكله ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون ولا ينهاه منهم أحد إلا عصبة منهم نهوه حتى ظهر ذلك في الأسواق ففعل علانية قال: فقالت: طائفة للذين ينهونهم ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ فقالوا: نسخط أعمالهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا﴾ إلى قوله: ﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال ابن عباس: كانوا ثلاثًا؛ ثلث نهوا، وثلث قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم (١)، وهذا إسناد جيد عن ابن عباس ولكن رجوعه إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين أولى من القول بهذا لأنه تبين حالهم بعد ذلك. والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فيه دلالة بالمفهوم على أن الذين بقوا نجوا. وبئيس فيه قراءات كثيرة (٢) ومعناه في قول مجاهد: الشديد (٣). وفي رواية: أليم (٤). وقال قتادة: موجع (٥). والكل متقارب والله أعلم،

وقوله: ﴿خَاسِئِينَ﴾ أي: ذليلين حقيرين مهانين.

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾.

﴿تَأَذَّنَ﴾ تفعل من الأذان، أي: أعلم قاله مجاهد (٦)، وقال غيره: أمر، وفي قوة الكلام ما يفيد معنى القسم من هذه اللفظة، ولهذا أُتبعت باللام في قوله: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على اليهود ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه واحتيالهم على المحارم، ويقال: إن موسى ضرب عليهم الخراج، سبع سنين (٧)، وقيل ثلاث عشرة سنة، وكان أول من ضرب الخراج ثم كانوا في قهر الملوك من اليونانيين والكشدانيين والكلدانيين، ثم صاروا إلى قهر النصارى وإذلالهم إياهم وأخذهم منهم الجزية والخراج، ثم جاء الإسلام ومحمد فكانوا تحت قهره وذمته يؤدون الخراج والجزية.

قال العوفي، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: هي المسكنة وأخذ الجزية منهم (٨).

وقال علي بن أبي طلحة، عنه: هي الجزية والذي يسومهم سوء العذاب محمد رسول الله


(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم مقطعًا من طريق ابن إسحاق به، وجود سنده الحافظ ابن كثير، ولعله بطرقه المتعددة.
(٢) المتواتر منها: بئسٍ، بيْسٍ، بئيسٍ، بيئسٍ.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: "أمرَ ربك".
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن سعيد بن جبير، فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف، والرواية من أخبار أهل الكتاب.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويشهد له لاحقه.