أي ينتهون، إن ينتهوا فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم، فمضوا على الخطيئة وقال الأيمنون: فقد فعلتم يا أعداء الله، والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب، ونادوا فلم يجابوا فوضعوا سلمًا وأعلوا سور المدينة رجلًا، فالتفت إليهم، فقال: أي عباد الله، قردة والله تعادى تعاوى لها أذناب قال: ففتحوا فدخلوا عليهم فعرفت القرود أنسابها من الإنس ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها: أي نعم ثم قرأ ابن عباس ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ قال: فأرى الذين نهوا قد نجوا ولا أرى الآخرين ذُكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها، قال: قلت: جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم؟ وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ قال: فأمر لي فكسيت ثوبين غليظين (١). وكذا روى مجاهد عنه (٢).
وقال ابن جرير: حدثنا يونس أخبرنا أشهب بن عبد العزيز عن مالك قال: زعم ابن رومان أن قوله تعالى: ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] قال: كانت تأتيهم يوم السبت فإذا كان المساء ذهبت فلا يرى منها شيء إلى يوم السبت الآخر، فاتخذ لذلك رجل خيطًا ووتدًا فربط حوتًا منها في الماء يوم السبت حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجد الناس ريحه، فأتوه فسألوه عن ذلك فجحدهم، فلم يزالوا به حتى قال لهم فإنه جلد حوت وجدناه، فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك، ولا أدري لعله قال ربط حوتين فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه فوجدوا رائحة فجاؤوا فسألوه فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع فقالوا له: وما صنعت؟ فأخبرهم ففعلوا مثل ما فعل حتى كثر ذلك، وكانت لهم مدينة لها ربض يغلقونها عليهم فأصابهم من المسخ ما أصابهم فغدا عليهم جيرانهم ممن كانوا حولهم يطلبون منهم ما يطلب الناس، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم فنادوا فلم يجيبوهم، فتسوروا عليهم فإذا هم قردة فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك ويدنو منه ويتمسح به (٣).
وقد قدمنا في سورة البقرة (٤) من الآثار في خبر هذه القرية ما فيه مقنع وكفاية ولله الحمد والمنة.
(القول الثاني): أن الساكتين كانوا من الهالكين قال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: ابتدعوا السبت فابتلوا فيه فحرمت عليهم فيه الحيتان فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تر حتى السبت المقبل، فإذا جاء السبت جاءت شرعًا فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك ثم إن
(١) أخرجه عبد الرزاق والطبري بنحوه، وسندهما ضعيف لإبهام شيخ ابن جريج، ولبعضه شواهد سابقة ولاحقة، والرواية إسرائيلية. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس مختصرًا. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، لكنه من روايات أهل الكتاب. (٤) آية ٦٥ - ٦٦.