وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقال: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ أي: إذا جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة، قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ أي: حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة، كما تأتي إلى الرسل، [وهذا كما قال تعالى](١) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ [الفرقان].
وقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ أي: هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ الآية [الزخرف: ٣١ - ٣٢]، يعنون لولا نزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير جليل مبجل في أعينهم ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ أي: من مكة والطائف، وذلك أنهم - قبحهم الله - كانوا يزدرون بالرسول صلوات الله وسلامه عليه بغيًا وحسدًا، وعنادًا واستكبارًا كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الأنعام] هذا وهم يعترفون بفضله وشرفه ونسبه، وطهارة بيته ومرباه، ومنشئه صلى الله وملائكته والمؤمنون عليه، حتى إنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه "الأمين" وقد اعترف بذلك رئيس الكفار أبو سفيان حين سأله هرقل ملك الروم: وكيف نسبه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب، قال هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. الحديث (٢) بطوله، الذي استدل ملك الروم بطهارة صفاته ﵇ على صدق نبوته وصحة ما جاء به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، عن شداد أبي عمار، عن واثلة بن الأسقع ﵁، أن رسول الله ﷺ قال:"إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم"(٣) انفرد بإخراجه مسلم، من حديث الأوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام به نحوه، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه"(٤).
(١) كذا في (حم) و (مح)، وسقط من الأصل. (٢) أخرجه البخاري من حديث أبي سفيان بن حرب مطولًا (الصحيح، كتاب بدء الوحي، باب رقم ٦ ح ٧). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٠٧)، وأخرجه مسلم من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي به بدون قوله: إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل. (الصحيح، الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ ح ٢٢٧٦). (٤) صحيح البخاري، المناقب، باب صفة النبي ﷺ (ح ٣٥٥٧).