للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ أي: بل له المشيئة والحكمة، فيما يشاؤه ويختاره، لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون.

وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: حافظًا، تحفظ أقوالهم وأعمالهم ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: موكل على أرزاقهم وأمورهم إن عليك إلا البلاع كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)[الغاشية] وقال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠].

﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾.

يقول الله تعالى ناهيًا لرسوله والمؤمنين عن سبّ آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسبّ إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد لتنتهين عن سبك آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١).

وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدوًا بغير علم، فأنزل الله ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢).

وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي أنه قال في تفسيره هذه الآية: لما حضر أبا طالب الموت: قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعه، فلما مات قتلوه.

فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأُمية وأُبي ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري، وبعثوا رجلًا منهم يقال له: المطلب، قالوا: استأذن لنا على أبي طالب، فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك، فأذنَ لهم عليه، فدخلوا عليه، فقالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدًا قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعه وإلهه، فدعاه فجاء النبي ، فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، قال رسول الله : "ما تريدون؟ " قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا، ولندعك وإلهك، فقال النبي : "أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة، إن تكلمتم بها ملكتم العرب، ودانت لكم بها العجم، وأدت لكم الخراج" قال أبو جهل: وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها قالوا: فما هي؟ قال: "قولوا: لا إله إلا الله" فأبوا واشمأزوا، قال أبو طالب: يا ابن أخي، قل غيرها، فإن قومك قد فزعوا منها، قال: "يا عم ما أنا بالذي يقول غيرها، حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوا بالشمس فوضعوها في يدي، ما قلت غيرها" إرادة أن يؤيسهم فغضبوا، وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتمن من يأمرك،


(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل ويشهد له سابقه.