للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وذكر أبي عن هشام بن عبيد الله، أنه قال نحو ذلك (١).

وقال آخرون: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي: جميعها وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الدار الآخرة.

وقال آخرون من المعتزلة، بمقتضى ما فهموه من هذه الآية، أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل، بما دلّ عليه كتاب الله وسنّة رسوله. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)[القيامة] وقال تعالى عن الكافرين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)[المطففين].

قال الإمام الشافعي: فدلّ هذا، على أن المؤمنين لا يحجبون عنه . أما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال وغير واحد من الصحابة، عن النبي ، أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، في العرصات وفي روضات الجنّات (٢)، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين.

وقيل: المراد بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي: العقول، رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي حصين يحيى بن الحصين، قارئ أهل مكة، أنه قال ذلك (٣)، وهذا غريب جدًا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية، والله أعلم.

وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو؟

فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلّا هو، وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر، فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى.

وقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] وفي صحيح مسلم: "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (٤) ولا يلزم منه عدم الثناء فكذلك هذا.

قال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ قال: لا يحيط بصر أحد بالملك (٥).


(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه وسنده حسن.
(٢) أخرج الإمام مسلم عدة أحاديث بنحوه من حديث عبد الله بن قيس وصهيب الرومي وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة (الصحيح، الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ح ١٨٠ - ١٨١)، وباب معرفة طريق الرؤية (ح ١٨٢ - ١٨٣).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٤) صحيح مسلم، الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (ح ٤٨٦).
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به.