وقيل: نزلت في طائفة من اليهود (١)، وقيل في فنحاص رجل منهم (٢)، وقيل في مالك بن الصيف (٣) ﴿قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ والأول أصح، لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد ﷺ لأنه من البشر، كما قال: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢] وكقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ [الإسراء] وقال ههنا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله، في جواب سلبهم العام، بإثبات قضية جزئية موجبة، ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ وهو التوراة التي قد علمتم وكل أحد أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران، ﴿نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾، أي ليستضاء بها في كشف المشكلات، ويهتدى بها من ظلم الشبهات.
وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ أي: تجعلون جملتها قراطيس؛ أي: قطعًا تكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديكم، وتحرفون منها ما تحرفون، وتبدلون وتتأولون، وتقولون هذا من عند الله؛ أي: في كتابه المنزل، وما هو من عند الله، ولهذا قال: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ أي: ومن أنزل القرآن الذي علمكم الله فيه من خبر ما سبق ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تعلمون ذلك، لا أنتم ولا آباؤكم.
وقد قال قتادة: هؤلاء مشركو العرب (٤).
وقال مجاهد: هذه للمسلمين (٥).
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، أي: قل الله أنزله (٦)، وهذا الذي قاله ابن عباس، هو المتعين في تفسير هذه الكلمة، لا ما قاله بعض المتأخرين، من أن معنى ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: لا يكون خطابك لهم، إلا هذه الكلمة، كلمة "الله" وهذا الذي قاله هذا
= مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عبد الله بن كثير أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف ويرويه ابن كثير عن مجاهد، ويتقوى بسابقيه. (١) أخرجه الطبري بإسناد ثابت عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٣) أخرجه الطبري بسندين ضعيفين عن سعيد بن جبير وعكرمة. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة أنهم اليهود والنصارى. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن كثير عن مجاهد. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.