وقال العوفي، عن ابن عباس قوله: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ﴾ هو الذي يستجيب لهدى الله، وهو رجل أطاع الشيطان، وعمل في الأرض بالمعصية، وحاد عن الحق، وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس، ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ والضلال ما يدعو إليه الجن (١)، رواه ابن جرير، ثم قال: وهذا يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال ويزعمون أنه هدى، قال: وهذا خلاف ظاهر الآية، فإن الله أخبر أنهم يدعونه إلى الهدى، فغير جائز أن يكون ضلالًا، وقد أخبر الله أنه هدى، وهو كما قال ابن جرير: فإن السياق يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، وهو منصوب على الحال؛ أي: في حال حيرته وضلاله وجهله، وجه المحجة، وله أصحاب على المحجة سائرون، فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى، وتقدير الكلام فيأبى عليهم، ولا يلتفت إليهم، ولو شاء الله لهداه ولرد به إلى الطريق، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ كما قال: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧] وقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾ [النحل].
وقوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: نخلص له العبادة، وحده لا شريك له،
﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي: وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال، ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: يوم القيامة
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل فهو خالقهما، ومالكهما، والمدبر لهما ولمن فيهما، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يعني: يوم القيامة، الذي يقول الله كن فيكون، عن أمره كلمح البصر، أو هو أقرب، ويوم منصوب إما على العطف على قوله واتقوه، وتقديره واتقوا يوم يقول كن فيكون، وإما على قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: وخلق يوم يقول كن فيكون فذكر بدء الخلق وإعادته وهذا مناسب وإما على إضمار فعل تقديره واذكر يوم يقول كن فيكون.
وقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ جملتان محلهما الجر على أنهما صفتان لرب العالمين، وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من قوله ويوم يقول كن فيكون يوم ينفخ في الصور ويحتمل أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] كقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان] وما أشبه ذلك.
واختلف المفسرون في قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ فقال بعضهم: المراد بالصور هنا، جمع صورة؛ أي: يوم ينفخ فيها فتحيا. قال ابن جرير: كما يقال: سور لسور البلد، وهو جمع سورة، والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇، قال ابن جرير: والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن إسرافيل قد التقم الصور، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ"(٢).
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٢) ذكره الطبري بدون سند وتقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٧٣ في مسند أحمد من حديث ابن عباس.