للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

أتصرف فيها ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: ولا أقول لكم: إني أعلم الغيب، إنما ذاك من علم الله ﷿، ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه، ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر مني البشر، يوحى إليّ من الله ﷿، شرفني بذلك وأنعم عليّ به، ولهذا قال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي: لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه.

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضلّ عنه فلم ينقد له، ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ وهذه كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)[الرعد]

وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: وأنذر بهذا القرآن يا محمد ﴿الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] الذين ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١] ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ أي: يومئذ ﴿مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: لا قريب لهم ولا شفيع فيهم، من عذابه إن أراده بهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ﷿، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فيعملون في هذه الدار، عملًا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك كقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)[الكهف] وقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: يعبدونه ويسألونه ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾.

قال سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وقتادة: المراد به الصلاة المكتوبة (١)، وهذا كقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] أي: أتقبل منكم. وقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: يبتغون بذلك العمل وجه الله الكريم، وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات، وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ كما قال نوح في [جواب] (٢) الذين قالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)[الشعراء] أي: إنما حسابهم على الله ﷿، وليس عليّ من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء، وقوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن فعلت هذا والحالة هذه.

قال الإمام أحمد: حدثنا أسباط - هو: ابن محمد -، حدثني أشعث، عن كردوس، عن ابن مسعود: قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء فنزل فيهم القرآن ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾


(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٢) كذا في (عش) و (مح)، وسقط من الأصل.