البصري، قالا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست تُحرِز هذه الآية الرجل المسلم من الحدّ إن قتل، أو أفسد في الأرض، أو حارب اللّه ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدروا عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب (١).
ورواه أبو داود والنسائي من طريق عكرمة، عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾، نزلت في المشركين من تاب منهم قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصابه (٢).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية، قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي ﷺ عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، رواه ابن جرير (٣).
وروى شعبة عن منصور، عن هلال بن يساف، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: نزلت في الحرورية ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ رواه ابن مردويه (٤).
والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قلابة - واسمه عبد اللّه بن زيد الجرمي البصري - عن أنس بن مالك أن نفرًا من عكل (٥) ثمانية، قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا (٦) المدينة، وسقمت أجسامهم فشكوا إلى رسول اللّه ﷺ ذلك، فقال:"ألا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبوا من أبوالها وألبانها" فقالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا، فقتلوا الراعي، وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث في آثارهم فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت (٧) أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا، لفظ مسلم، وفي لفظ لهما: من عكل أو عرينة (٨)، وفي لفظ: وألقوا في الحرة فجعلوا يستسقون، فلا يسقون (٩).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويشهد له الأثر التالي. (٢) سنن أبي داود، الحدود، باب ما جاء في المحاربة (ح ٤٣٧٢)، وسنن النسائي، تحريم الدم، تأويل قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ … ﴾ [المائدة: ٣٣] ٧/ ٩٤ - ٩٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٣٧٥٨). (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت عن ابن أبي طلحة به. (٤) ذكر الحافظ أن الآية عامة في المشركين وغيرهم. اهـ. أي لم تخص هذه الفرقة بعينها. (٥) عكل: قبيلة من تيم الرباب، من عدنان كما في فتح الباري. (٦) أي: استثقلوها ولم يوافق هواؤها أبدانهم فمرضوا. (٧) أي: بمسامير محمية. (٨) عُرينة نسبة إلى عُرينة بن نذير بن قسر بن عبقر بطن من بجيلة (اللباب في تهذيب الإنسان ٢/ ٣٣٦). (٩) صحيح البخاري، الوضوء، باب أبوال الإبل .. (ح ٢٣٣)، وصحيح مسلم القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين (ح ١٦٧١).