للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

نحن كذلك، إذ جاؤوا بقصعة من دم فاجتمعوا عليها يأكلونها فقالوا: هلم يا صُدي فكل، قال: قلت: ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم فأقبلوا عليه، قالوا: وما ذاك؟ فتلوت عليهم هذه الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية (١).

ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث ابن أبي الشوارب بإسناده مثله، وزاد بعده هذا السياق قال: فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ويأبون عليّ، فقلت: ويحكم اسقوني شربة من ماء، فإِني شديد العطش، قال: وعليّ عباءتي، فقالوا: لا، ولكن ندعك حتى تموت عطشًا، قال: فاغتممت وضربت برأسي في العباء، ونمت على الرمضاء في حر شديد، قال: فأتاني آت في منامي بقدح من زجاج لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس ألذ منه، فأمكنني منه فشربته، فلما فرغت من شرابي استيقظت فلا والله ما عطشت، ولا عريت بعد تيك الشربة (٢).

ورواه الحاكم في مستدركه عن علي بن حماد، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني عبد الله بن سلمة بن عياش العامري، حدثنا صدقة بن هرمز عن أبي غالب، عن أبي أمامة وذكر نحوه، وزاد بعد قوله: بعد تيك الشربة، فسمعتهم يقولون: أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تمجعوه بمذقة، فأتوني بمذقة فقلت: لا حاجة لي فيها، إن الله أطعمني وسقاني، وأريتهم بطني، فأسلموا عن آخرهم (٣). وما أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن إسحاق:

وإياك والميتات لا تقربنّها … ولا تأخذُن عظمًا حديدًا فتفصدا (٤)

أي لا تفعل فعل الجاهلية، وذلك أن أحدهم كان إذا جاع يأخذ شيئًا محددًا من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره أو حيوانًا من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة، ثم قال الأعشى:

وذا النُصب المنصوبَ لا تأتينّه … ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا (٥)

وقوله: ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ يعني: إنسيه ووحشيه، واللحم يعمّ جميع أجزائه حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم ههنا، وتعسفهم في الاحتجاج بقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ يعنون قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد.

وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب الأسلمي ، قال: قال رسول الله : "من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه" (٦) فإذا كان هذا التنفير لمجرد ملابسته


(١) في سنده بشير بن سريح ضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد ٩/ ٣٨٩)، وفيه أيضًا أبو غالب صاحب أبي أمامة صدوق يخطئ (التقريب ٢/ ٤٦٠)، ولم يتابع فسنده ضعيف.
(٢) حكمه كسابقه.
(٣) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه وتعقبه الذهبي بأنّ صدقة بن هرمز ضعفه ابن معين (المستدرك ٣/ ٦٤١).
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٣٨٦.
(٥) سيرة ابن هشام ١/ ٣٨٧.
(٦) صحيح مسلم، الشعر، باب تحريم اللعب بالنردشير (ح ٢٢٦٠).