وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يعني: لا تستحلوا القتال فيه (١)، وكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك الجزري، واختاره ابن جرير أيضًا.
وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] والمراد أشهر التسيير الأربعة، قالوا: فلم يستثن شهرًا حرامًا من غيره، وقد حكى الإمام أبو جعفر الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة، قال: وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء (٢) جميع أشجار الحرم لم يكن ذلك له أمانًا من القتل إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان، ولهذه المسألة بحث آخر له موضع أبسط من هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام، فإن فيه تعظيم شعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ولهذا لما حج رسول الله ﷺ، بات بذي الحليفة وهو وادي العقيق، فلما أصبح طاف على نسائه وكن تسعًا، ثم اغتسل وتطيب وصلى ركعتين، ثم أشعر هديه وقلده، وأهل للحج والعمرة (٣)، وكان هديه إبلًا كثيرة تنيف على الستين من أحسن الأشكال والألوان، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج] وقال بعض السلف إعظامها استحسانها واستسمانها.
قال علي بن أبي طالب: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، رواه أهل السنن (٤).
وقال مقاتل بن حيان: وقوله: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ فلا تستحلوها وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم، قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر وتقلد مشركوا الحرم من لحاء شجر الحرم فيأمنون به، رواه ابن أبي حاتم ثم قال: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، قال: نسخ من هذه السورة آيتان آية القلائد وقوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢](٥) وحدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا محمد بن
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٢) أي قشر الشجر (النهاية ٤/ ٢٤٣). (٣) أخرجه البخاري من حديث عروة بن الزبير والمسور بن مخرمة ومروان وعائشة بنحوه (الصحيح، الحج، باب من أشعر وقلد بذي الحليفة … ح ١٦٩٤ و ١٦٩٥ و ١٦٩٦). (٤) سنن أبي داود، الأضاحي، باب ما يكره من الضحايا (ح ٢٨٠٤)، وسنن الترمذي، الأضاحي، باب ما يكره من الأضاحي (ح ١٤٩٨)، وقال حسن صحيح وبين معنى نستشرف أي: ننظر صحيحًا، وسنن النسائي، كتاب الأضاحي، باب المقابلة وهي ما قطع طرف أذنها ٧/ ٢١٦، وسنن ابن ماجه، الأضاحي، باب ما يكره أن يضحى به (ح ٣١٤٣)، وقال الألباني حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح ٢٥٤٤). (٥) سنده صحيح، وهذه الرواية وسابقتها إلى الآية ٤٠ من هذه السورة من الجزء المفقود من تفسير ابن أبي حاتم.