وقال البخاري: حَدَّثَنَا سليمان بن حرب، حَدَّثَنَا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إن معاذًا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح، فقرأ ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ فقال رجل: من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم (١).
وقد ذكر ابن جرير في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما سماه الله خليلًا من أجل أنه أصاب أهل ناحيته جدب، فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل، وقال بعضهم من أهل مصر: ليمتار طعامًا لأهله من قبله فلم يصب عنده حاجته، فلما قرب من أهله مرّ بمفازة ذات رمل، فقال: لو ملأت غرائري (٢) من هذا الرمل لئلا يغتم أهلي برجوعي إليهم بغير ميرة، وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك فتحول ما في الغرائر من الرمل دقيقًا، فلما صار إلى منزله نام، وقام أهله ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقًا فعجنوا منه وخبزوا، فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي خبزوا، فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فقال: نعم هو من عند خليلي الله، فسماه الله خليلًا (٣). وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرًا إسرائيليًا لا يصدق ولا يكذب، وإنما سمي خليل الله لشدة محبة ربه ﷿ له، لما قام به من الطاعة التي يحبها ويرضاها، ولهذا ثبت في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ لما خطبهم في آخر خطبة خطبها، قال:"أما بعد؛ أيها الناس فلو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا، لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله"(٤).
وجاء من طريق جندب بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن مسعود عن النَّبِيّ قال:"إن الله اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا"(٥).
وقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حَدَّثَنَا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حَدَّثَنَا إبراهيم بن يعقوب [الجوزجاني](٦) بمكة، حَدَّثَنَا عبد الله الحنفي، حَدَّثَنَا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله ينتظرونه، فخرج حتَّى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عجب، إن الله اتخذ من خلقه خليلًا فإبراهيم خليله، وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليمًا، وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته، وقال آخر: آدم اصطفاه الله فخرج عليهم فسلم، وقال: "قد سمعت كلامكم وعجبكم إن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته،
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ح ٤٣٤٨). (٢) الغرائر: جمع غِرارة وهي: الأوعية التي يوضع فيها التبن والقمح. (٣) ذكره الطبري من دون سند، وتعقب الحافظ ابن كثير وجيه. (٤) صحيح البخاري، الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد (ح ٤٦٦)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ (ح ٢٣٨١). (٥) صحيح مسلم، المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (ح ٥٣٢). (٦) كذا في (حم) و (مح) وفي الأصل: "الجوجاني" وهو تصحيف.