حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] وأنا قد حملت التوراة، قال: فتركه عمر ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، فسمع رجلًا من أهلها حزينًا وهو يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا … ﴾ الآية، قال كعب: يا رب أسلمت مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين (١). وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر من وجه آخر، فقال: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن حَلْبَس، عن أبي إدريس عائذ اللّه الخولاني، قال: كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب، وكان يلومه في إبطائه عن رسول اللّه ﷺ، قال: فبعثه إليه لينظر أهو هو؟ قال كعب: فركبت حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ فبادرت الماء فاغتسلت، وإني لأمسح وجهي مخافة أن أطمس ثم أسلمت (٢).
وقوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ يعني: الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة [على الاصطياد](٣) وقد مسخوا قردة وخنازير، وسيأتي بسط قصتهم في سورة الأعراف (٤). وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: إذا أمر بأمر فإنه لا يخالف ولا يمانع.
ثم أخبر تعالى أنه ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: من الذنوب ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هو أي: من عباده، وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر:
(الحديث الأول): قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا صدقة بن موسى، حدثنا [أبو عمران](٥) الجوني، عن يزيد بن بابَنوس، عن عائشة، قالت: قال رسول اللّه ﷺ: "الدواوين عند اللّه ثلاثة: ديوان لا يعبأ اللّه به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره اللّه، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، وأما الديوان الذي لا يعبأ اللّه به شيئًا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن اللّه يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك اللّه منه شيئًا فظلم العباد بعضهم بعضًا، القصاص لا محالة"(٦) تفرد به أحمد.
(الحديث الثاني): قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن مالك، حدثنا زائدة بن أبي الرّقاد، عن زياد النميري، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه اللّه، فأما الظلم الذي لا يغفره اللّه فالشرك، وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وأما الظلم الذي يغفره اللّه فظلم العباد لأنفسهم فيما
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف جابر بن نوح وهو: الحماني (التقريب ص ١٣٦). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًّا بسبب أن عمرو بن واقد متروك (التقريب ٢/ ٨١). (٣) زيادة من (حم) و (مح). (٤) آية ١٦٣ - ١٦٦. (٥) كذا في (حم) و (مح) والمسند، وفي الأصل: "عمران". (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٤٠)، وسنده ضعيف بسبب ضعف صدقة بن موسى، وجهالة ابن بابنوس إذا أخرجه الحاكم من طريق صدقه به. كما قرر الذهبي في استدراكه على الحاكم (المستدرك ٤/ ٥٧٥ - ٥٧٦).