استعماله بطريقه، وذهب الإمام أحمد: إلى أنه متى توضأ الجنب، جاز له المكث في المسجد، لما روى هو وسعيد بن منصور في سننه بسند صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد - هو الدراوردي - عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول اللّه ﷺ، يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضؤوا وضوء الصلاة (١). وهذا إسناد على شرط مسلم، واللّه أعلم.
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ هو أما المرض المبيح للتيمم، فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء، فوات عضو أو شينه أو تطويل البرء، ومن العلماء من جوز التيمم بمجرد المرض، لعموم الآية.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا قيس، عن خُصَيْف، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار، كان مريضًا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم فيناوله، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأنزل اللّه هذه الآية (٢)، هذا مرسل والسفر معروف، ولا فرق فيه بين الطويل والقصير.
وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، كُني بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر، وأما قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فقرئ لمستم ولامستم، واختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك على قولين:
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قال: الجماع (٣). وروي عن علي وأُبي بن كعب ومجاهد وطاوس والحسن وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (٤).
وقال ابن جرير: حدثني حميد بن مسعدة، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع، وقال ناس من العرب: اللمس الجماع، قال: فأتيت ابن عباس فقلت له: إن ناسًا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع، قال: فمن أي الفريقين كنت؟ قلت: كنت من الموالي، قال: غُلب فريق الموالي. إن اللمس والمس والمباشرة: الجماع، ولكن اللّه يكني ما شاء بما شاء، ثم رواه عن ابن بشار، عن غندر، عن شعبه به نحوه،
(١) صحح سنده الحافظ ابن كثير. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده خُصيف: صدوق سيء الحفظ اختلط كما في التقريب وأعله ابن كثير بالإرسال. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وصححه الحافظ ابن حجر إلى سعيد بن جبير (الفتح ٨/ ٢٧٢). (٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وبعض هذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.