للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات، وسعيد بن جبير والضحاك، نحو ذلك (١). وقد روى ابن جرير، من حديث وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد اللّه، وعن زر بن حبيش عن علي … فذكره. ورواه من طريق العوفي وأبي مجلز: عن ابن عباس … فذكره (٢). ورواه عن سعيد بن جبير، وعن مجاهد، والحسن بن مسلم، والحكم بن عتيبة، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن مثل ذلك (٣). وروي من طريق ابن جريج عن عبد اللّه بن كثير، قال: كنا نسمع أنه في السفر (٤). ويُستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن من حديث أبي قلابة عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر، قال: قال رسول اللّه : "الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك، فإن ذلك خير" (٥).

ثم قال ابن جرير بعد حكايته القولين: والأولى قول من قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بيّن حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب، في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فكان معلومًا بذلك أن قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ لو كان معنيًا به المسافر، لم يكن لإعادة ذكره في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ معنى مفهوم، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها، وأنتم سكارى، حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضًا جنبًا، حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل، قال: والعابر السبيل: المجتاز مرًا وقطعًا، يقال منه: عبرت هذا الطريق، فأنا أعبره عبرًا وعبورًا، ومنه يقال: عبر فلان النهر، إذا قطعه وجاوزه، ومنه قيل للناقة القوية على الأسفار، هي عبر الأسفار لقوتها على قطع الأسفار (٦).

وهذا الذي نصره، هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المباعدة للصلاة، ولمحلها أيضًا، واللّه أعلم.

وقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة ومالك والشافعي، أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم، إن عدم الماء، أو لم يقدر على


(١) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند وقول ابن عباس وسعيد بن جبير أخرجهما الطبري بسندين صحيحين.
(٢) أخرجه الطبري من هذه الطرق وفيها ضعف ويتقوى بما سبق.
(٣) أخرجه الطبري من طرق هؤلاء وكلها بأسانيد ثابتة.
(٤) أخرجه الطبري وفيه الحسين وهو سنيد ضعيف ويتقوى بسابقه ولاحقه ..
(٥) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٥/ ١٨٠)، وأبو داود في السنن، الطهارة، باب الجنب يتيمم (ح ٣٣٢)، والترمذي في السنن، الطهارة، باب ما جاء في التيمم للجنب (ح ١٢٤)، وقال: حسن صحيح، كلهم من طريق أبي قلابة به، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٢١)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي قلابة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٧٦ - ١٧٧)، وصححه ابن حبان وأبو الحسن بن القطان كما سيأتي في ص ١٦٨.
(٦) ذكره الطبري في نهاية تفسير هذه الآية (٤٣).