للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

قال محمد بن جرير: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا عمر بن يونس، عن عكرمة، حدثنا ابن إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك في أصحاب رسول الله الذين أرسلهم نبي الله إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين أو سبعين، وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول الله حتى أتوا غارًا مشرفًا على الماء فقعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله [أهل هذا الماء؟ فقال - أراه ابن ملحان الأنصاري -: أنا أبلغ رسالة رسول الله ، (١) فخرج حتى أتى حيًا منهم فاختبأ أمام البيوت، ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح، فضربه في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر فزتُ وربّ الكعبة، فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل، وقال إسحاق (٢): حدثني أنس بن مالك أن الله أنزل فيهم قرانًا: "بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه"، ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناها زمانًا، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)(٣) فقال: أما أنا قد سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل تحت العرش".

وقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ، فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا ربّ نريد أن تردّ أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة، تركوا" (٤). وقد روي نحوه من حديث أنس وأبي سعيد (٥).

(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس أن رسول الله ، قال: "ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى لما يرى من فضل الشهادة" (٦). تفرد به مسلم من طريق حماد.


(١) ما بين معقوفين سقط في الأصل وبقية النسخ، واستدرك من تفسير الطبري.
(٢) أي: ابن طلحة.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري بنحوه من طريق قتادة عن أنس (الصحيح، المغازي، باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة ح ٤٠٩١).
(٤) صحيح مسلم، الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة (ح ١٨٨٧).
(٥) حديث أنس أخرجه مسلم (الصحيح، الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله (ح ١٨٧٧).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٢٦) وسنده صحيح، وأخرجه مسلم كما في الحاشية السابقة.