للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل يومًا بعد النداء بزمام من شعر فقال: يا رسول الله، هذا كان مما أصبنا من الغنيمة، فقال: "أسمعت بلالًا ينادي " ثلاثًا؟ قال: نعم. قال: "فما منعك أن تجيء؟ " فاعتذر إليه، فقال: "كلا أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك" (١)] (٢).

وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)

أي: لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه، وأجير من وبيل عقابه، ومن استحق غضب الله وألزم به فلا محيد له عنه، ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير، وهذه لها نظائر كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ﴾ [الرعد: ١٩]، وكقوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾ الآية [القصص: ٦١].

ثم قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾، قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: يعني أهل الخير وأهل الشر درجات (٣).

وقال أبو عبيدة والكسائي: منازل، يعني: متفاوتون في منازلهبم ودرجاتهم في الجنة [ودركاتهم] (٤) في النار (٥)، كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا … ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٢] ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: وسيوفيهم إياها، لا يظلمهم خيرًا ولا يزيدهم شرًا، بل يجازي كل عامل بعمله.

وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: ٢١] أي: من جنسكم، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ يعني: القرآن ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم وتُطهَّر (٦) من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به


= صحيحه (الإحسان ٤٨٠٩)، والحاكم (المستدرك ٢/ ١٢٧) وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٥٩). ومما يؤكد أن في مسند عبد الله بن عمرو وليس في مسند سمرة بن جندب أن الحافظ ابن كثير لم يذكره في مسند سمرة بن جندب (جامع المسانيد ٤/ ٧ - ٤٩) وإنما ذكره في مسند عبد الله بن عمرو، وكذا المزي في تحفة الأشراف ٦/ ٨٨٣٨.
(١) ما بين معقوفين زيادة من (حم).
(٢) تقدم تخريجه في الحاشية السابقة.
(٣) قول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه، وقول ابن إسحاق ورد في السيرة لابن هشام ٣/ ١٢٤.
(٤) كذا في (عف) و (ح) و (حم) و (مح)، وفي الأصل: "درجاتهم" وهو تصحيف.
(٥) قول أبي عبيدة، وهو معمر بن المثنى ورد في مجاز القرآن (١/ ١٠٧) مختصرًا بلفظ: "منازل".
(٦) في الأصل: "ويطهرهم" والمثبت من (عف) و (ح) و (حم) و (مح).