ثم قال تعالى منكِرًا على من حصل له ضعف: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي: رجعتم القهقري ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله حيًا وميتًا. وكذلك ثبت في الصحاح والمساند والسنن وغيرها من كتب الإسلام من طرق متعددة تفيد القطع، وقد ذكرت ذلك في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ أن الصديق ﵁، تلا هذه الآية لما مات رسول الله ﷺ.
وقال البخاري: حَدَّثَنَا يحيى بن بكير، حَدَّثَنَا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة، أن عائشة ﵂، أخبرته أن أبا بكر ﵁، أقبل على فرس من مسكنه بالسُنح (١) حتَّى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتَّى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله ﷺ يلّى وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكبَّ عليه وقبَّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأُمي واللّهِ لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد منها، وقال الزهري: حدثني أبو سلمة عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يحدّث الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس فاقبل الناس إليه وتركها عمر فقال أبو بكر: أما بعد من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى قوله: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ قال: فواللّه لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتَّى تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلهم فما سمعها بشر من الناس إلا يتلوها، وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: واللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فَعَقِرتُ حتَّى ما تقلني رجلاي، وحتى هَوَيت إلى الأرض (٢).
وقال أبو القاسم الطبراني: حَدَّثَنَا علي بن عبد العزيز، حَدَّثَنَا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حَدَّثَنَا أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عليًا كان يقول في حياة رسول الله ﷺ ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، واللّهِ لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتَّى أموت، واللّه إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه، فمن أحق به مني (٣)؟
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ أي: لا يموت أحد إلا بقدر الله وحتى يستوفي المدة التي [ضربها](٤) الله له، ولهذا قال: كقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١] وكقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه، كما قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا العباس بن يزيد العبدي قال: سمعت أبا معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن صُهبان، قال: قال رجل من المسلمين وهو حُجْر بن عدي: ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو وهذه النطفة - يعني دجلة -
(١) السنح - بضم السن والنون -: موضع بعوالي المدينة فيه منازل بني الحارث بن الخزرج (النهاية ٢/ ٤٠٧). (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب مرض النَّبِيّ ﷺ ووفاته ح ٤٤٥٢ - ٤٤٥٤). (٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١/ ١٠٧ ح ١٧٦) وفي سنده سماك بن حرب وروايته عن عكرمة فيها اضطراب. (٤) كذا في (عف) و (ح) و (حم) و (مح)، وفي الأصل: "صيرها".