وقوله ﷺ ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ أي: قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم، تتمنون لقاء العدو وتتحرّقون عليهم وتودون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال:"لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"(١). ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعني: الموت شاهدتموه وقت لمعان السيوف وحدّ الأسنة، واشتباك الرماح، وصفوف الرجال للقتال، والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل. وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس كما تتخيل الشاة صداقة الكبش، وعداوة [الذئب](٢).
لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أُحد وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قتل، ورجع [بن قميئة](٣) إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدًا، وإنما كان قد ضرب رسول الله ﷺ فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله ﷺ قد قتل، وجَوّزوا عليه ذلك، كما [قد قصَّ الله عن](٤) كثير من الأنبياء ﵈، فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (٥) أي: له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه.
قال ابن أبي نجيح، عن أبيه: أن رجلًا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أن محمدًا ﷺ قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل ﷺ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة (٦).
(١) صحيح البخاري، الجهاد، باب كان النَّبِيّ ﷺ إذا لم يُقاتل أول النهار أخر القتال حتَّى تزول الشمس (ح ٢٩٦٥ - ٢٩٦٦)، وصحيح مسلم، الجهاد، والسير (ح ١٧٤٢). (٢) كذا في (عف) و (ح) و (حم) و (مح)، وفي الأصل: "الزبيب" وهو تصحيف. (٣) كذا في (عف) و (ح) و (حم) و (مح) والتخريج، وفي الأصل: "ابن أمية"، هو تصحيف. (٤) كذا في (عف) و (ح) و (مح) والتخريج، وفي الأصل: "قد قضى الله على" وهو تصحيف. (٥) أخرجه ابن المنذر من طريق أبي بكر عن عاصم بن كليب عن أبيه عن عمر بنحوه (التفسير ص ٤٠٢ رقم ٩٧٥)، وفي سنده أبو بكر وهو ابن عياش ثقة إلا أنه لما كبر ساء حفظه (التقريب ص ٦٢٤). (٦) أخرجه البيهقي من طريق آدم بن أبي إياس، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح به (دلائل النبوة ٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩) وسنده مرسل.