للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث يشاء الله ﷿، وهذا أظهر كما تقدم في حديث أبي هريرة عن البزار.

(الثاني): أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش وعرضها، كما قال الله: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] والنار في أسفل سافلين فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار، واللّه أعلم.

ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أي: في الشدة والرخاء والمنشط والمكره والصحة والمرض وفي جميع الأحوال، كما قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤] والمعنى: أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى

والإنفاق في مراضيه. والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر.

وقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه، وعفى مع ذلك عمن أساء إليه. وقد ورد في بعض الآثار: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك" رواه ابن أبي حاتم (١). وقد قال أبو يعلى في مسنده: حَدَّثَنَا أبو موسى الزمن، حَدَّثَنَا عيسى بن شعيب الضرير أبو الفضل، حدثني الربيع بن سليمان النميري، عن أبي عمرو بن أنس بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول الله : "من كفَّ غضبه، كفَّ الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه، ستر الله عورته، ومن اعتذر إلى الله، قبل الله عذره" (٢). وهذا حديث غريب، وفي إسناده نظر.

وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، حَدَّثَنَا مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ، عن النَّبِيّ قال: "ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (٣). وقد رواه الشيخان من حديث مالك (٤).

وقال الإمام أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله وهو ابن مسعود ، قال: قال رسول الله: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله"؟ قال: قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: "اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالك من مالك إلا ما قدمت، ومالُ وارثك ما أخرْتَ" قال: وقال رسول الله : "ما تعدون الصرعة فيكم؟ " قلنا: الذي لا تصرعه الرجال. قال: "لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب". قال: قال رسول الله : "ما تعدون فيكم الرقوب؟ " قلنا: الذي لا ولد له. قال: "لا، ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئًا" (٥)


(١) لم أجده في تفسير ابن أبي حاتم.
(٢) أخرجه أبو يعلى الموصلي بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٣٠٢ ح ٤٣٣٨) وحكم الحافظ ابن كثير على سنده ومتنه.
قال الهيثمي: فيه الربيع بن سليمان الأزدي وهو ضعيف (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٠١).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٣٦) وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، الأدب، باب الحذر من الغضب (ح ٦١١٤)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب (ح ٢٦٠٩).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٨٢) وسنده صحيح.