للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وكثروا وعزّ أنصارهم، ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المؤمنين سِنَة؛ أي: جدب أو أُديل عليهم الأعداء، لما للّه تعالى في ذلك من الحكمة - كما جرى يوم أُحد - فرح المنافقون بذلك، قال الله تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾، يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به. وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع شيء في الوجود إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه.

ثم شرع تعالى في ذكر قصة أُحد وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين وبيان صبر الصابرين فقال تعالى:

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾.

المراد بهذه الوقعة يوم أُحد عند الجمهور، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وغير واحد (١).

وعن الحسن البصري: المراد بذلك يوم الأحزاب. رواه ابن جرير (٢)، وهو غريب لا يعول عليه. وكانت وقعة أُحد يوم السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة.

قال قتادة: لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال (٣).

وقال عكرمة: يوم السبت للنصف من شوال (٤)، فاللّه أعلم.

وكان سببها أن المشركين حين قتل من قتل من أشرافهم يوم بدر وسَلِمت العير بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سفيان فلما رجع إلى مكة قال أبناء من قتل، ورؤساء من بقي لأبي سفيان: أرصد هذه الأموال لقتال محمد فأنفقوها في ذلك، فجمعوا الجموع والأحابيش، وأقبلوا في قريب من [نحو] (٥) ثلاثة آلاف حتَّى نزلوا قريبًا من أحد تلقاء المدينة (٦)، فصلى رسول الله يوم الجمعة، فلما فرغ منها صلى على رجل من بني النجار يقال له: مالك بن عمرو، واستشار رسول الله الناس "أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة؟ " فأشار عبد الله بن أُبي بالمقام بالمدينة، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ محبس، وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين، وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدرًا بالخروج إليهم، فدخل رسول الله فلبس لأمته وخرج عليهم، وقد ندم بعضهم وقالوا: لعلنا


(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويشهد له قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه.
(٣) رواه شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة (التاريخ الكبير للذهبي (١/ ١٨٣).
(٤) أخرجه خليفة بن خياط بسند ضعيف (تاريخ خليفة ص ٩٧)، وورد هذا التاريخ في طبقات ابن سعد ٢/ ٢٥.
(٥) الزيادة من (عف) و (مح).
(٦) سيرة ابن هشام ٣/ ٦ - ١٢.