للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الحديث على ما قاله الحسن ، والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر، واللّه أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي: قد لاح على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾

وقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي: أنتم أيها المؤمنون تحبون المنافقين بما يظهرون لكم من الإيمان فتحبونهم على ذلك، وهم لا يحبونكم لا باطنًا ولا ظاهرًا، ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: ليس عندكم في شيء منه شكَّ ولا ريب، وهم عندهم الشك والريب والحيرة.

وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم، رواه ابن جرير (١).

﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ والأنامل أطراف الأصابع، قاله قتادة.

وقال الشاعر:

أَوَدّكما (٢) ما بَلّ حلقي ريقتي … وما حملت كفّاي أنمُلي العشرا

وقال ابن مسعود والسدي والربيع بن أنس: الأنامل الأصابع (٣).

وهذا شأن المنافقين يظهرون للمؤمنين الإيمان والمودة، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وذلك أشد الغيظ والحنق.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله متمُّ نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه، ومعل كلمته ومظهر دينه، فموتوا أنتم بغيظكم ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم وتخفيه (٤) سرائركم من البغضاء والحسد والغلّ للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد [في] (٥) النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها.

ثم قال تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ وهذا الحال دالٌّ على شدة العداوة منهم للمؤمنين، وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد


= وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٢٠).
(١) أخرجه الطبري عن ابن حميد عن سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به، وفيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي ضعيف، والأثر في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٠٧، وأثر ابن إسحاق حسن الإسناد.
(٢) كذا في الأصل وفي لسان العرب: "أو فيكما" (باب ك ف ف) وقد ورد في الأصل تصحيفات لهذا الشعر، والتصويب من (عف) و (ح) و (حم) و (مح).
(٣) قول ابن مسعود أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بإسنادين صحيحين كلاهما من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود، وقول السدي والربيع ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٤) كذا في الأصل، وفي (عف) و (ح) و (حم) و (مح): "تكنه"، وكلاهما صحيح.
(٥) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (ح) و (حم) و (مح).