وقوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: [ألزموا فالتزموا بغضب من الله وهم يستحقونه ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ أي](١) ألزموها قدرًا وشرعًا. ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي: وإنما حملهم على ذلك الكِبْر والبغي والحسد فأعقبهم ذلك الذلَّة والصَغار والمسكنة أبدًا متصلًا بذلِّ الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أي: إنما حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله، وقيضوا لذلك أنهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر الله ﷿ والغشيان لمعاصي الله، والاعتداء في شرع الله، فعياذًا باللّه من ذلك، والله ﷺ المستعان.
قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا يونس بن حبيب، حَدَّثَنَا أبو داود الطيالسي، حَدَّثَنَا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر الأزدي، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بقلهم في آخر النهار (٢).
قال ابن أبي نجيح: زعم الحسن بن يزيد العجلي، عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ يقول: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد ﷺ(٣).
وهكذا قال السدي (٤). ويؤيد هذا القول الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حَدَّثَنَا أبو النضر وحسن بن موسى، قالا: حَدَّثَنَا شيبان، عن عاصم، عن زرّ، عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال:"أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم" قال: فنزلت هذه الآيات ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ حتَّى بلغ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (٥). والمشهور عند كثير من المفسرين كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العوفي عن ابن عباس - أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب، كعبد الله بن
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و (ح) و (حم) و (مح). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح به، والحسن بن يزيد العجلي: مقبول (التقريب ١/ ١٧٣) ويتعضد بقول السدي التالي. (٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٣٧٦٠) وسنده حسن. وصححه أحمد شاكر، وقال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات ليس فيهم غير عاصم بن أبي النجود وهو مختلف في الاحتجاج به (مجمع الزوائد ١/ ٣١٢).