ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (١).
وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضًا، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه النَّبِيّ ﷺ وأصحابه.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن وإحن وذحول (٢)، طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانًا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البِرّ والتقوى، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٢، ٦٣] وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم، فأنقذهم الله منها أن هداهم للإيمان، وقد امتن عليهم بذلك رسول الله ﷺ يوم قسم غنائم حُنين، فعتب من عتب منهم، بما (٣) فضل عليهم في القسمة، بما أراه الله فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلّالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألّفكم الله بي (٤)، وعالّة فأغناكم الله بي؟ " كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنّ (٥).
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلًا من اليهود مَرّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلًا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بُعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه، حتَّى حميت (٦) نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم وتوعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النَّبِيّ ﷺ فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ " وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح ﵃(٧). وذكر عكرمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفك (٨)، واللّه تعالى أعلم.
(١) صحيح مسلم، الأقضية (ح ١٧١٥). (٢) إحن: أي أحقاد، وذحول: أي عداوات. (٣) في الأصل: "لما" والمثبت من (عف) و (مح). (٤) في الأصل: "في" والتصويب كسابقه. (٥) متفق عليه أخرجه البخاري (الصحيح، المغازي، باب غزوة الطائف ح ٤٣٣٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام (ح ١٠٦١). (٦) في الأصل: "حيت" وهو تصحيف، وتصحيحه كسابقه. (٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق محمد بن إسحاق: حدثني الثقة عن زيد بن أسلم، ولم يصرح ابن إسحاق باسم شيخه، وهو مرسل أيضًا. (٨) وهو مرسل أيضًا.