للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده، ورجل حلف على سلعة بعد العصر، - يعني: كاذبًا -، ورجل بايع إمامًا فإن أعطاه وفّى له وإن لم يعطه لم يفِ له" (١). ورواه أبو داود والترمذي من حديث وكيع، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (٢).

﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾.

يخبر تعالى عن اليهود - عليهم لعائن الله -، أن منهم فريقًا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون كلام الله ويزيلونه عن المراد به، ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله وهو كذب على الله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.

وقال مجاهد والشعبي والحسن وقتادة والربيع بن أنس: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾ يحرفونه (٣). وهكذا روى البخاري عن ابن عباس أنهم يحرفون ويزيدون (٤) (٥)، وليس أحد من خلق الله يزيل لفظ كتاب من كتب الله، لكنهم يحرفونه يتأولونه على غير تأويله.

وقال وهب بن منبه: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما (٦) الله تعالى لم يغير منهما حرف ولكنهم يضلّون بالتحريف والتأويل، وكتبٌ كانوا يكتبونها من عند أنفسهم ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فأما كتبُ الله فإنها محفوظة لا تحول، رواه ابن أبي حاتم (٧). فإن عنى وهب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص، وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ففيه خطأ كبير وزيادات كثيرة ونقصان ووهم فاحش، وهو من باب تفسير [المعنى المعرب] (٨)، وفهمُ كثير منهم بل أكثرهم بل جميعهم فاسد، وأما إن عنى كتب الله التي هي كتبه عنده فتلك كما قال: محفوظة لم يدخلها شيء.


(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٨٠) وسنده صحيح، أخرجه مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش به (الصحيح، الأيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار … ح ١٠٨).
(٢) سنن أبي داود، البيوع، باب في منع الماء (ح ٣٤٧٤)، وسنن الترمذي، السير، باب ما جاء في نكث البيعة (ح ١٥٩٥).
(٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(٤) هذه اللفظة في الأصل غير واضحة ومصحفة.
(٥) لم أجده في صحيح البخاري ولكن رواه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويشهد له ما تقدم.
(٦) كذا في (عف) و (حم) و (ح).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب.
(٨) قوله: "المعنى المعرب": كذا في (حم) و (ح)، وفي (عف) و (مح): "المعبر المغرب"، وفي الأصل تصحف إلى: "المغبر بالمعرب".