إلى ثلاثة منهم وهم العاقب، وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد وكان ثِمالهم (١) وصاحب رحلهم ومجتمعهم، وأبو حارثة بن علقمة، وكان أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم، وكان رجلًا من العرب من بني بكر بن وائل، ولكنه تنصر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه، وبنوا له الكنائس وأخدموه لما يعلمونه من صلابته في دينهم (٢)، وقد كان يعرف أمر رسول الله ﷺ وشأنه وصفته مما علمه من الكتب المتقدمة جيدًا، ولكن حمله جهله على الاستمرار في النصرانية لما يرى من تعظيمه فيها وجاهه عند أهلها.
قال ابن إسحاق (٣): وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات جُبب وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب، قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي ﷺ: ما رأينا بعدهم وفدًا مثلهم، وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ:"دعوهم" فصلوا إلى المشرق، قال: فكلَّم رسول الله ﷺ منهم: أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، والسيد الأيهم (٤) وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، تعالى الله [عن قولهم علوًا كبيرًا](٥). وكذلك النصرانية، فهم يحتجون في قولهم: هو الله، بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا، وذلك كله بأمر الله تعالى وليجعله الله آية للناس. ويحتجون على (٦) قولهم بأنه ابن الله يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يسمعه أحد من بني آدم قبله، ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول الله تعالى: فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم. وفي كل ذلك من قولهم: قد نزل القرآن، فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله ﷺ:"أسلما" قالا: قد أسلمنا، قال:"إنكما لم تسلما فأسلما". قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال:"كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما للّه ولدًا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير". قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله ﷺ عنهما فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها (٧). ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها (٨) .. إلى أن قال: فلما أتى رسول الله ﷺ الخبر
(١) ثِمالهم: ورد في نسخة (عف) تحت هذه الكلمة: بالكسر الغِياث. وهو معنى الثمال فقد ذكر ابن الأثير الثمال بالكسر الملجأ والغياث، وقيل: هو المُطعِم في الشدة (النهاية ١/ ٢٢٢). (٢) سيرة ابن هشام بتصرف ١/ ٥٧٣. (٣) في الأصل: "ابن عباس" وهو تصحيف. (٤) ورد في الصحيحين من حديث حذيفة مجيء وفد نجران وفيه العاقب والسيد، كما سيأتي في الصفحة التالية. (٥) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و (حم). (٦) كذا في (عف) و (حم)، وفي الأصل و (مح): "في". (٧) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٥ - ٥٧٦ ورد ذكره بأطول منه وسنده معضل، لأن محمد بن جعفر الزبير تابع تابعي. (٨) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦ - ٥٨٣.