والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ أي: هذا الذي قصصنا عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره، وهو مما قاله الله تعالى وأوحاه إليك ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالي في سورة مريم: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾ [مريم] وههنا قال تعالى:
يقول تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ فإن الله تعالى خلقه من غير أب ولا أُم بل ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فالذي خلق آدم من غير أب، قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأَولى [والأَحرى](١) وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى لكونه مخلوقًا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأَولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلانًا وأظهر فسادًا، ولكن الربَّ ﷻ أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١] وقال ههنا: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ (٢) مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي هذا هو القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال.
ثم قال تعالى آمرًا رسوله ﷺ، أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور الباني ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: نحضرهم في حال المباهلة ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أي: نلتعن ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ أي: منا أو منكم. وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران النصارى حين قدموا فجعلوا يحاجّون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة ردًا عليهم (٣)، كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يسار، قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره: قدم على رسول الله ﷺ وقد نصارى نجران ستون راكبًا، فيهم أربعة عشر رجلًا من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم (٤) وهم: العاقب واسمه عبد المسيح، والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وأوس بن الحارث، وزيد، وقيس، ويزيد ونبيه، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويُحَنّس، وأمر هؤلاء يؤول
(١) زيادة من (عف) و (ح) و (مح). (٢) في الأصل: "تكونن" وهو تصحيف. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد عن الربيع بن أنس لكنه مرسل، - مطولًا -. (٤) كذا في (عف) و (ح) و (حم)، وفي الأصل و (مح): "يؤول إليهم أمرهم"، وكلاهما صحيح.