رابعها: أن الذي اقتضاه لفظ الحمد أن يحمد لا أن يكتبه، والظاهر أنه حمد بلسانه.
خامسها: أن الأمر به محمول عَلَى ابتداءات الخطب دون غيرها، زجرًا عما كانت الجاهلية عليه من تقديم الشعر المنظوم والكلام المنثور، وإنما كان ذَلِكَ لثلاثة أمور:
أحدها: ما روي أن أعرابيًّا خطب فترك التحميد فقال - صلى الله عليه وسلم -: "كل أمر ذي بال" إلى آخره (١).
ثانيها: أن أول ما نزل من القرآن: {اقْرَأْ}(٢)[العلق: ١] وقيل: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)} (٣)[المدثر: ١]. وليس في ابتدائهما حمد الله، فلم يجز أن يأمر الشارع بما كتابُ الله على خلافه (٤).
ثالثها: أن خبر الشارع لا يجوز أن يكون خلاف مخبره وقد قَالَ: "فهو أجذم" وروي "أبتر". و"صحيح البخاري" أصح المصنفات وأنفع المؤلفات، فعلم بهذِه الأمور أنه محمول عَلَى الخطب دون غيرها من المصنفات والكتب.
سادسها: أن هذا الحديث منسوخ بأنه - صلى الله عليه وسلم - لما صالح قريشًا عام
(١) قال العيني في "عمدة القاري" ١/ ١٣: وفيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. اهـ. (٢) سيأتي برقم (٤٩٢٢) كتاب: التفسير، ورواه مسلم (١٦١) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (٣) سيأتي برقم (٤٩٥٤) كتاب: التفسير، باب: قوله: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)} [العلق: ٣]، ورواه مسلم (١٦٠) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (٤) قال العيني في "عمدة القاري" ١/ ١٣: وهذا ساقط جدًّا؛ لأن الاعتبار بحالة الترتيب العثماني لا بحالة النزول؛ إذ لو كان الأمر بالعكس، لكان ينبغي أن يترك التسمية أيضا. اهـ.