ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا فإن الدنيا مزرعة الآخرة وهي الآلة الموصلة إلى الله ﷿ لمن اتخذها آلة ومنزلا، لا لمن يتخذها مستقرا ووطنا. وليس ينتظم أمر الدنيا إلا بأعمال، الآدميين. وأعمالهم، وحرفهم وصناعاتهم تنحصر في ثلاثة أقسام:
أحدها: أصول لاقوام للعالم بدونها وهي أربعة.
الزراعة، وهي للمطعم. وهي للملبس. والبناء، وهي للمسكن. والسياسة، وهي للتأليف والاجتماع والتعاون على أسباب المعيشة وضبطها.
الثاني: ما هي مهيئة لكل واحدة من هذه الصناعات، كالحدادة، فإنها تخدم الزراعة، والحلاجة (١) والغزل فإنها تخدم الحياكة.
الثالث: ما هي متمّمة للأصول كالطحن والخبز للزراعة، وكالقصارة (٢) والخياطة للحياكة.
وأشرف هذه الصناعات أصولها، وأشرف أصولها السياسة، والسياسة على أربع مراتب.
الأولى وهي العليا: سياسة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحكمهم على الخاصة والعامة جميعا في ظاهرهم وباطنهم.
والثانية: سياسة الخلفاء والملوك والسلاطين، وحكمهم على الخاصّة والعامّة جميعا في ظاهرهم لا على باطنهم. والثالثة: سياسة العلماء بالله ﷿ الذين هم ورثة الأنبياء وحكمهم على باطن الخاصة فقط، ولا تنتهي قوّتهم إلى التصرّف في ظواهرهم بالإلزام والمنع.
والرابعة: سياسة الوعّاظ وحكمهم على بواطن العوامّ فقط.
فصل: فيما ورد في فضل العلم من الآيات والأحاديث والآثار وما جاء في فضيلة التعلّم
والتعليم.
قال الله ﷿: ﴿يرفع الله الذين آمنوا [منكم] والذين أوتوا العلم درجات﴾ [الزّمر،٣٩/ ٩].
وقال ﷿: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [فاطر،٣٥/ ٢٨].
وقال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [العنكبوت،٢٩/ ٤٣] وقال تعالى:
﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت،٢٩/ ٤٩].
(١) الحلاجة: من الحلج وحلج القطن يحلجه بكسر اللام وضمها: ندفه وقطن حليج: مندوف مستخرج منه الحب. ابن منظور، لسان العرب،٢/ ٢٣٩.
(٢) القصارة: بكسر القاف: دقّ الثوب بالقصرة، والقصّار: المحوّر للثياب يدقّها بخشبة تسمى القصرة بالتحريك، والتحوير: التبييض. ابن منظور م. ن،٥/ ١٠٤.