ولا فرق بين اعتقاد الإنسان أن الله حرم هذا وأوعد فاعله بالعقوبة المجملة، واعتقاده أن الله حرمه وأوعده عليه بعقوبة معينة، من حيث إن كلا منهما إخبارٌ عن الله تعالى، فكما جاز الإخبار عنه بالأول بمطلق الدليل، فكذلك الإخبار عنه بالثاني، بل لو قال قائل: العمل بها في الوعيد أوكد كان صحيحًا، ولهذا كانوا يسهلون في أسانيد أحاديث الترغيب والترهيب، ما لا يسهلون في أسانيد أحاديث الأحكام؛ لأن اعتقاد الوعيد يحمل النفوس على الترك.
فإن كان ذلك الوعيد حقا، كان الإنسان قد نجا، وإن لم يكن الوعيد حقا بل عقوبة الفعل أخف من ذلك الوعيد لم يضرّ الإنسانَ -إذا ترك ذلك الفعل- خطؤه في اعتقاده زيادة العقوبة، لأنه إن اعتقد نقص العقوبة فقد يخطئ أيضًا، وكذلك إن لم يعتقد في تلك الزيادة نفيًا ولا إثباتًا فقد يخطئ أيضًا.
وهذا الخطأ قد يهون الفعل عنده فيقع فيه، فيستحق العقوبة الزائدة إن كانت ثابتة، أو يقوم به سبب استحقاق ذلك) (١).
* * *
المسألة الثانية: قال ﵀ في باب ما جاء في علامة المنافق - بعد أن ذكر حديث أبي هريرة:"آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان"، وحديث عبد الله بن عمرو:"أربع من كنّ فيه كان منافقا، وإن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر" -: (وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وإنما كان نفاق
(١) "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" (ص: ٢٠٨ - ٢١٠).