وذهب جمع من أهل العلم وخاصة المتأخرين إلى تأويلها، وأن ظاهرها ليس مقصودا، وأبو عيسى ممن يسلك هذا المذهب في الغالب.
والمسلك الأول هو الأرجح لما تقدم، مع ملاحظة أن السلف لا يقولون بأن من وقع في شيء مما ورد فيه الوعيد بذلك أنه وقع في الكفر الأكبر كما هو منهج الخوارج، وهو المنهج الثالث في أحاديث الوعيد وهو منهج فاسد، مخالف للكتاب والسنة.
أخرج ابن عدي بإسناده إلى الأصمعي، قال: جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء، فقال له: يا أبا عمرو، الله يخلف وعده؟ فقال: لن يخلف الله وعده، فقال عمرو: فقد قال: ﴿اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]، وذكر عمرو غير هذه الآية، فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت، الوعد غير الإيعاد، ثم أنشد أبو عمرو:
وإني إن أوعدته أو وعدته … سأخلف إيعادي وأنجز موعدي (١).
وقال الإمام أبو العباس ابن تيمية: (وذهب الأكثرون من الفقهاء -وهو قول عامة السلف- إلى أن هذه الأحاديث حجة في جميع ما تضمنته من العمل والوعيد؛ فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين بعدهم ما زالوا يثبتون بهذه الأحاديث الوعيد، كما يثبتون بها العمل، ويصرحون بلحوق الوعيد الذي فيها للفاعل في الجملة، وهذا منتشر عنهم في أحاديثهم وفتاويهم.
وذلك لأن الوعيد من جملة الأحكام الشرعية التي ثبتت بالأدلة الظاهرة تارة، وبالأدلة القطعية أخرى؛ فإنه ليس المطلوب اليقين التام بالوعيد، بل المطلوب الاعتقاد الذي يدخل في اليقين والظن الغالب، كما أن هذا هو المطلوب في الأحكام العملية.
(١) "الكامل" (٧/ ٥٨٨) (١١٦٤٣)، ومن طريقه البيهقي في "البعث والنشور" (٤٤)، و"شعب الإيمان" (٢٩٤)، وينظر: "تاريخ دمشق" (٦٧/ ١١٢).