للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>


= إذا حدث به، ويستحيي منه، كذلك يحدث له وقت السكر من الحرد والغيظ، بل أشد. فلما يبتدئ بك الغضب وتحس بأنه قد ابتدأ يسكرك، قبل أن يشتد ويقوى ويتفاقم ويخرج الأمر من يدك، فضع في نفسك أن تؤخر العقوبة عليه إلى غد، واثقا بأن ما تريد أن تعمله في الوقت لا يفوتك عمله في غد، وقد قيل: من لم يخف فوتا حلم. فإنك إذا فعلت ذلك وبت ليلتك وسكنت فورة غضبك، فإنه لا بد لفورة الغضب من أن تبوخ وتسكن، وأن تصحو من السكر الذي أحدثه لك الغضب، وقد قيل: إن أصح ما يكون الإنسان رأيا إذا استدبر ليله واستقبل نهاره. فإذا صحوت من سكرك فتأمل الأمر الذي أغضبك، وقدم أمر الله ﷿ أولا والخوف منه، وترك التعرض لسخطه، ولا تشف غيظك بما يؤثمك، فقد قيل: "ما شفى غيظه من أثم بربه" واذكر قدرة الله عليك وأنك محتاج إلى رحمته، وإلى أخذه بيدك في أوقات شدائدك، وهو وقت لا تملك لنفسك فيه شرا ولا نفعا، ولا يقدر لك عليه أحد من المخلوقين، ولا يكشف ما قد أظلّك غيره ﷿. واعلم أن البشر يغلطون ويخطئون، وأنك مثلهم تغلط وتخطئ، وإن كان لا يجسر أحد على أن لا يوافقك على ذلك. فكما تحب أن يغفر الله لك، كذلك غيرك يؤمّل عطفك وعفوك. وفكّر بأي ليلة بات المذنب قلقا لخوفه منك، وما يتوقّعه من عقوبتك، ويخافه من سطوتك، واعرف مقدار ما يصل إليه من السرور وزوال الرعب عنه بعفوك، ومقدار الثواب الذي يحصل لك من ذلك. واذكر قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللّهُ لَكُمْ وَاَللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سورة النور - الآية ٢٢، فإن كان ما أغضبك مما يجوز فيه العفو، ويكفي فيه العتاب والتوبيخ، والعذل، والتهديد متى وقعت معاودة، فلا تتجاوز ذلك. واعف، واصفح، فإنه أحسن بك، وأقرب إلى الله تعالى، والله يقول: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ - المائدة - الآية ٢٣٧. وليس يظن بك المذنب ولا غيره أنك عجزت عن التقويم والعقوبة، ولا قصرت بك القدرة. وإن كان مما لا يحتمل العفو عاقبت حينئذ على قدر الذنب، ولم تتجاوزه إلى ما يوقع الدين، ويفسد به أمرك، ويقبح عند الناس ذكرك، فإنما يشتد عليك تكلف ذلك أول دفعة وثانية وثالثة، ثم يصير عادة لك وخلقا وسجية، ويسهل عليك".
انظر: عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة ٣٠٢ - ٣٠٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>